فلسطين أون لاين

حين يُدار النزيف باسم السلام: غزة واختبار الإنسانية

غزة اليوم لا تنتظر بيانات تضامنٍ موسمية، ولا تُصغي إلى خطاباتٍ تُعيد تدوير العجز في قوالب لغوية منمّقة. لقد استُهلكت المفردات حتى فقدت معناها، وتآكلت بيانات “القلق العميق” حتى صارت جزءًا من بروتوكولٍ بارد لا يُسعف جريحًا ولا يُشبع طفلًا. غزة لا تطلب بلاغةً جديدة… إنها تطلب قلبًا لم يتكلّس بعد.

في غزة لا تقع جريمةٌ مفردة، بل يُدار مشهدٌ كامل لإدامة الجرح. إبادة موثّقة، تُبثّ على الهواء، ويُعاد تحليلها كما تُحلَّل الأرقام في نشرات الاقتصاد. رُضّع تحت الركام، أمهات يبحثن في القوائم لا عن أملٍ بالحياة، بل عن يقينٍ بالفقد، شيوخ يُسلّمون أعمارهم الطويلة إلى طرقاتٍ بلا وداع. ليست هذه استعاراتٍ بلاغية، بل يوميات واقعٍ فقد العالم القدرة على الاحمرار خجلًا منه.

غير أنّ التحوّل الأخطر لا يكمن في كثافة الدم، بل في الطريقة التي يُعاد بها تعريفه. لم يعد السؤال: كيف نوقف المأساة؟ بل: كيف نُديرها؟ هنا يظهر ما يُسمّى بـمجلس السلام، كهيئةٍ يُقال إنها جاءت لتخفيف التوتر وتنظيم الإيقاع ورسم مسارات التهدئة. لكن بين التخفيف والإنهاء مسافةٌ أخلاقية هائلة. فالإدارة تُحافظ على الأزمة ضمن حدودٍ مقبولة دوليًا، أما الحل فيقتلع جذورها.

إن الفرق بين من يُطفئ الحريق ومن يُعيد ترتيب الأثاث حوله هو الفرق بين عدالةٍ حقيقية وتسويةٍ شكلية. إدارة النزيف تعني ضبط تدفّقه لا إيقافه، تقليل صورته لا إنهاء سببه. وهكذا يتحوّل الدم إلى بندٍ تفاوضي، والجوع إلى رقمٍ في تقرير، والدمار إلى ملفٍ يُفتح ويُغلق وفق جدول أعمال.

غزة لا تحتاج مجلسًا يُتقن الموازنة بين القاتل والضحية، ولا منصةً تُساوي بين من يملك آلة الحرب ومن يبحث عن شربة ماء. الطفل الذي يسأل أمّه: لماذا لا يصلني الخبز؟ لماذا لا يعود أبي؟ لا تعنيه خرائط النفوذ ولا آليات التنسيق. سؤاله أبلغ من كل المؤتمرات، وأصدق من كل البيانات.

قيل لنا إن الحكمة في ضبط النفس، وإن الواقعية تقتضي التهدئة، وإن السيادة الوطنية خطٌ أحمر. لكن أي سيادة تبقى حين يُحاصر شعب حتى الجوع؟ وأي حكمة تلك التي ترى المجزرة ثم تُتقن إدارتها؟ المفردات الكبرى تسقط أمام مشهدٍ صغير: أمٌّ تُمسك بيد طفلها في مستشفى بلا كهرباء، تحاول أن تُقنعه بأن الغد ممكن، بينما العالم يُفاوض على شكل الغد لا على بقائه.

لسنا أمام جدلٍ سياسي حول من بدأ، ولا أمام تمرينٍ تفاوضي على طاولة. نحن أمام لحظةٍ أخلاقية صافية، تختبر ما إذا كان في هذا العالم ما يستحق اسم الإنسانية. من يختبئ خلف التعقيد السياسي ليبرّر الصمت، إنما ينسحب من التاريخ طوعًا، لأن التاريخ لا يذكر من أتقنوا إدارة الكارثة، بل من امتلكوا شجاعة إيقافها.

إن لم تملك سلاحًا، فاكتب. وإن لم تملك منبرًا، فارفع صوتك حيث تستطيع. وإن عجزت عن بلوغ قلب الحدث، فلا تعجز عن أن تكون في ضميره. أما أن تتحوّل إلى منظّرٍ لفلسفة التكيّف مع الألم، أو مروّجٍ لفضيلة الصمت، فتلك خيانةٌ مزدوجة: للضحية ولصورتك في المرآة.

غزة اليوم ليست جغرافيا فحسب؛ إنها معيار. معيار نقيس به صدق خطابنا، وصلابة قيمنا، وقدرتنا على التمييز بين السلام الحقيقي وسلامٍ يُدار فيه النزيف بدقّة. فليس كل ما يُسمّى سلامًا يُنقذ حياة، وليس كل مجلسٍ يُنشأ باسمه يحمل جوهره.

لا تقولوا إن غزة بحاجةٍ إلى دعمٍ عابر، بل قولوا إننا بحاجةٍ إلى غزة كي نتأكد أننا لم نفقد حسّنا الإنساني بالكامل. فهي المرآة التي تكشف هشاشتنا حين نصمت، وقوتنا حين نختار أن نقف. وهي اللحظة التي تُجبرنا على الاختيار بين أن نكون شهود حق، أو شهود إدارة.

حين يُدار النزيف باسم السلام، يصبح الصمت شراكةً غير معلنة.

وحين يُختبر الضمير، لا تكفي البيانات.

غزة تنادينا… لا لتطلب عاطفةً عابرة، بل موقفًا يرفض أن يتحوّل الدم إلى ملف.

فهل نرتقي إلى مستوى النداء؟

أم نكتفي بمتابعة “إدارة الأزمة” حتى يُدار معنا ذات يوم، ونحن نظن أننا في مأمن؟

المصدر / فلسطين أون لاين