من تجربة العراق العميقة في مواجهة الاحتلال الأمريكي، ومن دروس كتبها الدم على أرض الواقع، يأتي هذا النداء إلى أبناء فلسطين: لا تصدّقوا أمريكا . فالتاريخ العراقي يعلمنا أن أمريكا لا تمنح السلام، بل تدير مصالحها وموازين القوى حسب أجندتها، وأن الكلمات الإعلامية، مهما بدت براقة، لا تحدد مصير الشعوب بقدر ما تحدد مصالح القوى التي تُعاد كتابتها خلف الأبواب المغلقة . فهم هذا الدرس حجر الأساس لأي شعب يريد حماية إرادته وحقوقه من التلاعب الخارجي.
منذ دخول القوات الأمريكية بغداد في ربيع 2003، لم يعرف العراق يومًا من السلام الحقيقي؛ بل غرق في مشروع طويل لإعادة تشكيل الوعي، وتفكيك الدولة، ونهب الثروات تحت لافتة «التحرير والديمقراطية». الجيش الوطني، الذي حمى البلاد لعقود، تم تفكيكه، وأجهزة الدولة سُلّمت لشبكات طائفية ومحسوبية، فأصبحت الدولة عاجزة عن حماية مواطنيها أو اتخاذ أي قرار سيادي.
قالوا إنهم جاءوا ليمنحوا الحرية، ففتحوا أبوغريب وسقط آلاف الأبرياء ضحايا ما سُمّي بـ«الحرب على الإرهاب». تحوّل البلد إلى ساحة صراع مفتوحة بين قوى داخلية وخارجية، واستُخدمت تهمة «الإرهاب» ذريعة لتبرير انتهاك كرامة الإنسان وحقوقه. لم تكن هذه الممارسات إخفاقًا تكتيكيًا فحسب، بل جزءًا من منطق استراتيجي أعاد توزيع السلطة بما يخدم مصالحهم، وأدى إلى تفشي الفراغ الأمني والسياسي الذي استغله الإرهاب والطائفية.
وقالوا إنهم سيزرعون العدالة، فزرعوا نظام المحاصصة الذي أطلق الفساد من عقاله. مواقع القرار تحوّلت إلى غنائم تُقسّم بين شبكات نفوذ، بينما المواطن الحائر يبحث عن أبسط حقوقه. المآسي الكبرى — من مجزرة سبايكر إلى ضياع الموصل وصعود داعش — لم تكن حوادث عشوائية، بل نتاج فراغ سلطوي استُغل لمصالح إقليمية مدعومة خارجيًا. كل أزمة كانت محسوبة لإعادة هندسة الواقع بما يخدم الهيمنة الأمريكية.
أمريكا لا تأتي بالسلام، بل تجلب مشروعًا كاملاً من الفوضى تحت مسمى «إعادة الإعمار». النفط الوطني حُوّل إلى أداة تبعية، وعقود مشبوهة أعادت توزيع الثروات لصالح شركات أجنبية وشبكات فساد محلية. دعم وجوه سياسية فاسدة أعيدت إلى الواجهة، واستخدام شعارات «محاربة الفساد» كان ذريعة لتدخل جديد عند الحاجة. كل خطوة كانت محسوبة لتغيير موازين القوى وتحويل الثروات الوطنية إلى أدوات ضغط اقتصادي وسياسي.
هذا هو وجهها الحقيقي: تتحدث بلغة الحقوق بينما تُكتب قراراتها بلغة المصالح. القواسم الإعلامية — حقوق الإنسان والديمقراطية والسوق الحرة — تتحول إلى أدوات تبرير لمشاريع جيوسياسية تُعاد هندستها حسب مصالحها وتحالفاتها. اليوم، العراق مسلوب الإرادة: قراراته تُصاغ داخل السفارة، ومقاعد برلمانه تُوزّع على أساس طائفي داخل غرف نفوذ لا علاقة لها بالسيادة الشعبية. الانتخابات تتحوّل إلى مسرحية تُدار بأقدام خارجية، فيما الأحزاب تسعى لتحصيل حصتها، ويملأ الإعلام مروجو مشاريع التبعية.
واليوم نرى تكرار المشهد ذاته في فلسطين. الحديث عن «حقوق الإنسان» يأتي من جهة تزود إسرائيل بأدوات القتل وتبرّر سياستها أمام حلفائها. مبادرات مثل «حل الدولتين» تُستخدم كغطاء قانوني لاستمرار الاستيطان والتهجير، بينما تُقيد مطالب المقاومة بعبارات «ضبط النفس» وتُمنح للاحتلال صكوكًا لتوسيع النفوذ.
أي منطق هذا؟ أهو منطق عدالة أم وصاية استعماريّة جديدة؟ الجواب واضح لمن قاس الخبرة على الواقع: هو منطق لا يهدف إلى إنهاء الصراع جذريًا، بل لإدارته وفق موازين القوى الدولية والإقليمية. المساعدات الإنسانية تحمل ثمنًا سياسيًا، والمقاومة تتحوّل إلى ورقة مساومة. فهم هذا الواقع يميز الشعوب الواعية عن تلك التي تقع في شباك الأوهام الخارجية.
يا أبناء فلسطين، يا من تحرسون الكرامة بدمائكم، اعلموا أن كل وعد أميركي له وجهان: واحد يُعرض على الشاشات، وآخر يُكتَب في الغرف المغلقة. لا يريدون سلامًا حقيقيًا، بل هدنة لإعادة ترتيب النفوذ. ما يُقدّمونه من مساعدات ليس سوى ثمن لتقييد إرادتكم وتحويل المقاومة إلى بند في موازين القوى الإقليمية.
أمريكا لم تكن يومًا حليفًا للمظلوم، بل راعيًا لمصالحها ولإسرائيل. فهي لا ترى فيكم شعبًا صاحب حق، بل طرفًا يجب «إدارته» كما أداروا العراق وسوريا وأفغانستان، بخطط سياسية واقتصادية وثقافية تعيد تشكيل الحقول الاجتماعية والسياسية وفق مصالحهم. وجوههم تتغير، لكن الجوهر لا يتبدّل.
يتحدثون اليوم عن إعادة إعمار غزة كما تحدثوا عن إعادة إعمار العراق، وستكتشفون أن «الإعمار» غالبًا يعني إعادة تشكيل الوعي وبناء مؤسسات تتماشى مع مشاريعهم. البنية التحتية قد تشي بالتعافي، لكنها لا تعني حرية حقيقية أو سيادة فعلية؛ الإعمار دون استقلال القرار يعني تبعية مجددة.
فاحذروا أن تُعاد المأساة نفسها تحت أسماء جديدة. يا حماس، ويا كل فصيل يقاوم، القوة الحقيقية ليست في مخزون الصواريخ فقط، بل في الوضوح الاستراتيجي والوعي السياسي: أن تعرفوا من هو الخصم الحقيقي وماذا يريد، وأن لا تُجزأ حسابات المقاومة لمصلحة وسطاء منحازين. لا تجعلوا من واشنطن وسيطًا محايدًا؛ فهي طرف منحاز منذ إقامة إسرائيل وحتى اليوم.
من صدّق وعودها في بغداد لم يجنِ سوى الخراب، ومن وثق بها في كابول غادر مذلولًا بعد عشرين عامًا من الدماء والدمار. هذه تجارب تاريخية يجب أن تُقرأ لا أن تُنسى. الصراع ليس فقط على الأرض، بل على الوعي. من يصدّق أمريكا يزرع وهمًا ويحصد ندمًا، ومن يثق بشعبه وإرادته يبقى واقفًا مهما تبدّلت الموازين.
العدالة لا تُمنح بل تُنتزع، والكرامة لا تُشترى بالأوهام أو الوعود. من يملك قراره لا يركع مهما تكاثرت الأقنعة.
الرسالة ليست دعوة للعزلة ولا حثًا على القطيعة العمياء، بل نداء للحذر والتمييز: لا تُعطوا ثقتكم لمن لا يملك مصلحة حقيقية في حريّتكم وكرامتكم. اعملوا مع من يشارككم الأهداف والمعايير، وابنوا تحالفات تقوّي استقراركم وتمكّنكم من تقرير مصيركم دون وصاية. الإيمان بالقدرة الذاتية، واليقظة السياسية، والتنظيم الشعبي المدروس، هي الأسلحة الحقيقية في مواجهة مشاريع إعادة التشكيل التي تهدف لإطالة الهيمنة.
من يرفض هذه الحقيقة يكرّر تجربتنا، ومن يستوعبها يحمي مستقبل أبنائه من أن يتحوّل وعد إلى نكبة جديدة.

