في الوقت الذي انعقد فيه اجتماع ما يُعرف بـ“مجلس السلام”، الخميس الماضي، في معهد السلام الأميركي بواشنطن، لبحث ترتيبات إعادة إعمار قطاع غزة، صعّد الاحتلال الإسرائيلي من وتيرة خروقاته الميدانية، في مشهد يعكس استهتاراً واضحاً بالقرارات الدولية وباتفاق وقف إطلاق النار، ويثير تساؤلات بشأن دلالات هذا التصعيد المتزامن مع اجتماعات يفترض أن تبحث سبل التهدئة والاستقرار.
ففي اليوم الـ134 من سريان اتفاق وقف إطلاق النار، واصل جيش الاحتلال عملياته العسكرية في مناطق متفرقة من القطاع، ما أسفر خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية عن استشهاد مواطنين؛ أحدهما في بيت لاهيا شمال القطاع، والآخر جنوب مدينة غزة، إضافة إلى إصابة عدد من المواطنين جراء القصف وإطلاق النار.
طالع المزيد: اجتماع "مجلس السلام"... استغلال إسرائيلي مستمر لتصعيد الجرائم في غزة
وشهد حي التفاح شرق مدينة غزة عمليات نسف لمبانٍ سكنية، تزامنت مع قصف مدفعي مكثف وإطلاق نار شمال حي الشجاعية وشرق جباليا. كما شنّت طائرات الاحتلال، فجر السبت، غارات متكررة على أهداف شرق خان يونس، بالتوازي مع تفجير منازل في القرى الشرقية للمدينة، فيما أطلقت الزوارق الحربية الإسرائيلية نيرانها بكثافة في بحر خان يونس، مستهدفة الصيادين ومصادر رزقهم.
ووفق المعطيات المتاحة، بلغ إجمالي عدد الشهداء منذ إعلان وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر 611 شهيداً، إضافة إلى 1630 إصابة و726 حالة انتشال. أما منذ بدء حرب الإبادة على القطاع في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، فقد ارتفع عدد الشهداء إلى 72,069 شهيداً، و171,728 مصاباً، في حصيلة تعكس حجم الكارثة الإنسانية المتواصلة.
رسائل سياسية
واعتبر المختص في الشؤون السياسية عادل شديد أن تكثيف عمليات الهدم ونسف المربعات السكنية في غزة لا يمكن فصله عن سياسة ممنهجة بدأها الاحتلال منذ السابع من أكتوبر 2023، واستمر في تطبيقها بمستويات متفاوتة خلال مراحل الحرب.
وأوضح شديد لصحيفة "فلسطين” أن استمرار عمليات التدمير بالتزامن مع انعقاد “مجلس السلام” يشير إلى أن الاحتلال لا يتعامل مع هذه الاجتماعات بوصفها مرجعية ملزمة، بل كغطاء سياسي يتيح له فرض وقائع ميدانية جديدة، خصوصاً في ما يتعلق بسياسات الهدم والتهجير.
وأضاف أن غياب إدانة أميركية واضحة لعمليات النسف يعزز الاعتقاد بوجود توافق ضمني يسمح بمواصلة هذه السياسات.
ويرى شديد أن أهداف الاحتلال تتجاوز الاعتبارات العسكرية المباشرة، لتصب في إطار الضغط نحو دفع السكان إلى الهجرة القسرية، وخلق واقع معيشي قاسٍ يضعف صمودهم، مؤكداً في المقابل أن تمسك الفلسطينيين بأرضهم يعكس عمق الانتماء رغم حجم الدمار.

المختص في الشؤون السياسية عادل شديد
انتهاكات للقانون الدولي
من جانبه، قال الخبير في القانون الدولي الدكتور نافذ المدهون إن عمليات الهدم والترحيل واستهداف المدنيين والمؤسسات الاقتصادية والصناعية تمثل انتهاكاً صارخاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك اتفاقيات جنيف والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وأضاف المدهون لـ"فلسطين" أن تكثيف التدمير في ظل انعقاد “مجلس السلام” يحمل رسالة تحدٍّ واضحة للمجتمع الدولي، ويؤكد أن الاحتلال لا يعترف بمرجعية القانون الدولي، مستفيداً من غياب آليات مساءلة فاعلة.

الخبير في القانون الدولي الدكتور نافذ المدهون
وأشار إلى أن المؤسسات القضائية الدولية، بما فيها المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، تمتلك الأطر القانونية اللازمة للمحاسبة، إلا أن الضغوط السياسية تعيق تفعيل هذه المسارات.
دعوات لموقف حازم
في ضوء هذا التصعيد، تتعالى الدعوات إلى الأطراف المشاركة في “مجلس السلام” لتحمّل مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية، واتخاذ موقف واضح وملزم يضع حداً للخروقات المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار، ويضمن وقف عمليات الهدم والاستهداف المتواصل للمدنيين.
طالع المزيد: شرق غزة... الحربُ لم تنتهِ بعد
ويؤكد مراقبون أن أي حديث عن إعادة إعمار أو ترتيبات سياسية يفقد معناه في ظل استمرار القصف وتدمير المنازل، وأن الخطوة الأولى نحو الاستقرار تبدأ بوقف شامل للاعتداءات، وإيجاد آلية رقابة دولية فعالة تضمن احترام الاتفاقات ومحاسبة من ينتهكها.
وفي ظل المشهد الراهن، يبقى السؤال مطروحاً أمام المجتمع الدولي: هل ستظل الاجتماعات والبيانات إطاراً شكلياً، أم تتحول إلى أدوات ضغط حقيقية تُلزم الاحتلال بوقف اعتداءاته، وتحفظ ما تبقى من فرص الاستقرار والعدالة في قطاع غزة؟

