فلسطين أون لاين

تقرير شرق غزة... الحربُ لم تنتهِ بعد

...
الخط الأصفر.. شريط الموت الذي يعزل سكان غزة عن بيوتهم
غزة/ أدهم الشريف:

عندما يتسلل الصباح، يخرج إبراهيم يوسف (46 عامًا)، من مكان نزوحه المؤقت ليتفقد السماء الملبدة بالطائرات الحربية، في واحدة من أكثر المناطق خطرًا من جرَّاء الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة في شرقي مدينة غزة.

يبدأ إبراهيم يومه بحذر شديد، ففي أي لحظة قد تُطلق آليات الاحتلال ومسيَّراته نيرانها القاتلة صوب المدنيين على أطراف حي الشجاعية، حيث تتناثر خيام الإيواء، وتتجلى آثار الحرب على المنازل المدمرة.

يقول بصوت خافت: "هنا نعيش حربًا يومية، الطائرات والأبراج العسكرية تراقب المنطقة على مدار الساعة".

طالع المزيد: "المنظمات الأهلية": الاحتلال يوسِّع مساحة الخط الأصفر باتجاه المناطق السكنية

على الرغم من وقف إطلاق النار، الذي أوقف جزئيًا حرب الإبادة الإسرائيلية ضد سكان القطاع الساحلي، لم يهدأ شرق غزة بعد، وكأن الاتفاق الذي دخل حيز التنفيذ يوم 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، لم يشمل تلك المناطق مطلقًا.

وخلال زيارة ميدانية قامت بها صحيفة "فلسطين" لأطراف حي الشجاعية، وتحديدًا قرب المتنزه الواقع في نهاية شارع عمر المختار، وعندما التقى عددًا من المواطنين هناك، ظهرت على حين غرَّة مُسيَّرة حربية من نوع "كواد كابتر"، وبدأت بإطلاق نيرانها بكثافة مستهدفة كل شيء، الحجر والبشر.

1000912461-1763647692.webp

 

كانت الرصاصات تسقط على الإسفلت وتنطلق منه شرارة، وأخرى اصطدمت بجدران إسمنتية واخترقتها بعنف.

لم يعد هذا المشهد عابرًا في حياة سكان المنطقة والنازحين هناك، بل واقعًا مأساويًا يعيشونه بشكل يومي؛ مُسيَّرات حربية على علوٍ منخفض، ورصاص ينطلق باستمرار، ورعب في صفوف النازحين، لاسيما الساكنين تحت أسقف الخيام الهشَّة، وفي مبانٍ مكشوفة بسبب الدمار الذي ألحقته آلة الحرب الإسرائيلية بها.

يضيف إبراهيم لـ"فلسطين": "حياتنا صارت كابوسًا لا يُطاق، لم نعد قادرين على التحمل أكثر، الرصاص يرتطم بالإسفلت وما تبقى من جدران، ولا نستطيع فعل شيء".

يتساءل: "أين وقف النار الذي يتحدثون عنه؟ إنه وقف فقط على الورق".

هذا الرجل، الذي يُعيل زوجته وأبنائه الأربعة، أكبرهم إسلام (11 عامًا)، دمَّر جيش الاحتلال منزله بحي الشجاعية في خِضم الحرب، ليس ذلك فحسب، بل إنه لم يعد بإمكانه الوصول إلى منطقة سكنه القريبة من تلِّة المنطار بحي الشجاعية، والتي حوَّلها جيش الاحتلال، ومساحات واسعة أخرى محيطة بها، إلى موقع عسكري مرتفع، مُجهز بوسائل المراقبة والأضواء الليلية، ويرصد عبره كل حركة في المنطقة.

طالع المزيد: توسع "الخط الأصفر".. خرق إسرائيلي ممنهج يُفرغ اتفاق وقف إطلاق النار من مضمونه

من بعيد، يظهر في الموقع آليات وجرافات تعمل على توسعته باستمرار وزيادة ارتفاعه، وتدشين وسائل عسكرية جديدة فيه.

كان إبراهيم ينظر إلى الموقع بيأس تجلّى على وجهه قبل أن يقول: "إنهم (قوات الاحتلال) يجهزون الموقع للمكوث طويلًا؛ لا أعرف إن كنت سأعود إلى الشجاعية أم لا؟"

وصار هذا الحي واقعًا خلف ما يسمى بـ"الخط الأصفر"، الذي يُسيطر جيش الاحتلال بواسطته على أكثر من نصف مساحة قطاع غزة. ما إن يحاول أحد الاقتراب من مكعباته الصفراء، سرعان ما تطلق المسيَّرات والطائرات الحربية والأبراج العسكرية المرتفعة نيرانها بكثافة قاتلة.

أما حي الشجاعية، أحد أكبر أحياء المدينة وأكثرها اكتظاظًا بالسكان، فيبدو من بعيد كمساحة واسعة من الركام بعدما سوَّى جيش الاحتلال غالبية مربعاته السكنية بالأرض، جرَّاء عمليات النسف التي لم تتوقف حتى بعد سريان وقف إطلاق النار.

هناك، لم تقتصر الحرب على الانتهاكات الإسرائيلية، إذ يرافقها أعمال عدوانية تقوم بها مليشيات العملاء العاملة بغطاء كامل من الاحتلال، والتي صارت في نظر المواطنين وجهًا آخر للحرب.

طالع المزيد: تفاصيل محاولة ميلشيا المنسي التوغل بجباليا

يشير إبراهيم إلى أن هذه المليشيات، وقبل أيام قليلة، أقدمت على اختطاف مواطن من عائلة الجعبري وأعدمته بدم بارد خارج حدود "الخط الأصفر".

وهذا ما يخشاه المواطن شهاب أحمد (39 عامًا)، الذي حاول عدة مرات تفقدَ منزله في منطقة "الشعف" بحي الشجاعية، لكنه لم يتمكن من ذلك بفعل نيران الاحتلال، وحركة عناصر المليشيات المستمرة هناك.

يضيف شهاب لـ"فلسطين" أن "من يسلم من نيران الاحتلال قد لا يسلم من مليشيات العملاء.. الذهاب إلى الشجاعية يعني الموت".

يتابع، وبدا في حالة استياء شديد: "حاولت الوصول إلى منزلي المدمر عدة مرات لكن لم أستطع، فإطلاق النيران لا يتوقف، وأي حركة أو محاولة للاقتراب من المكعبات الصفراء، مُراقبة على مدار الساعة".

وفضَّل شهاب النزوح إلى غرب مدينة غزة مع زوجته وأبنائه الأربعة، منذ أن صار الوصول إلى الشجاعية محاولة يائسة محفوفة بالمخاطر.

وعن الموقع العسكري الذي أنشأه جيش الاحتلال على أنقاض المنازل المدمرة، تبدو الأحياء مكبَّرة تحت عدسات المُراقبة، ويصفه شهاب بأنه "عين لا تُغْمِض".

أما النازحون على أطراف الحي المدمر فيرون في الموقع المُطل بارتفاعه على المدينة بأكملها تهديدًا عسكريًا دائمًا تطال نيرانه المدنيين، ويعيد إلى الأذهان بدايات الحرب الدموية.

بحلول المساء، حيث يخفت الضوء ويحل الظلام، يبدو القلق مضاعفًا لدى النازحين عند أطراف الشجاعية، فالمسيَّرات الحربية لا تفارق الأجواء، وكأن أزيزها يذكِّر السكان بأن السماء ليست لهم.

ورغم أن اتفاق وقف النار الذي أعلن عنه رئيس الإدارة الأمريكية شكَّل نهاية للإبادة الشاملة، فإن الشعور الشعبي هناك مختلف؛ فالحرب بالنسبة لهم لم تنتهِ بعد.

المصدر / فلسطين أون لاين