ليست السجدة دائمًا انحناء جسد، ولا يُعبَّر عنها بالضرورة بجبهة تلامس الأرض. هناك سجدة أعمق وأسبق؛ سجدة لا يختارها الإنسان بإرادته الكاملة، بل تُفرَض عليه حين يبلغ حدَّه. تلك هي سجدة العجز. فيها ينكسر الادّعاء، ويسقط وهم السيطرة، ويظهر الإنسان كما هو: كائنًا يريد أكثر مما يستطيع، ويحلم أبعد مما يُسمَح له. عند هذا الحدّ، لا يعود للإنسان ما يتكئ عليه سوى وعيه بحقيقته، بعد أن تهاوت أوهام القوة التي كانت تسنده.
العجز ليس لحظة فشل عابرة، بل لحظة انكشاف طويل الأثر. انكشاف المعادلة التي عاش بها الإنسان طويلًا: أنه إذا أراد كفَى، وإذا سعى وصل، وإذا أحبّ امتلك. وحين يُحرم رغم صدق الإرادة، ورغم تمام السعي، ورغم صفاء النيّة، تتزلزل هذه المعادلة من أساسها. هنا لا يعود السؤال: لماذا لم أصل؟ بل يتحوّل إلى سؤال أعمق: من أنا أصلًا؟ وما حدودي؟ ومن يملك زمام الأمر حقًّا؟ في هذه اللحظة بالذات يولد المعنى. فالإنسان حين كان يظن نفسه قادرًا، لم يكن محتاجًا إلى الحقيقة، وحين ظنّ أن الامتلاك يملأه، لم يكن يبحث عن حدوده. العجز وحده هو الذي يُعيد ترتيب الداخل، لا بالقهر، بل بالكشف، فيُسقِط الزوائد، ويُبقي الجوهر، ويُجبر الإنسان على أن يرى نفسه بلا زينة ولا أقنعة.
قيس لم يُخلَّد لأنه أحبّ، بل لأنه عجز. عجز عن الوصول، فعاش على الحدّ الفاصل بين التعلّق والانكسار. ولو ظفر، لانتهت القصة كما تنتهي آلاف القصص العادية، لكن الحرمان أبقاها حيّة، لأن الحرمان لا يُغلق الأسئلة، بل يفتحها، ولا يُسكِت القلب، بل يجعله يقظًا على الدوام، مشدودًا إلى ما وراء الممكن.
والإنسان في كل تجربة حرمان يعيش الامتحان ذاته، مهما اختلفت الأسماء والظروف: إمّا أن يحوّل العجز إلى مرآة يرى فيها حجمه الحقيقي، أو يحوّله إلى مرارة تتخمّر في داخله. المرآة تقول له: لست مركز الكون، ولست سيّد النتائج، ولست مالك القلوب ولا الأقدار. والمرارة تقول: لقد ظُلِمت، وكان يجب أن يكون الأمر غير هذا، وأن العالم مدين لي بما أريد. الفارق بين الطريقين ليس في شدّة الألم، بل في تأويله. من رأى العجز مرآة، سجد دون أن يشعر، ومن رآه مرارة، تمرّد وهو يظن نفسه قائمًا. الأول ينحني في الداخل فيستقيم، والثاني يتصلّب في الداخل فينقسم على نفسه، ويعيش صراعًا دائمًا مع العالم.
ولهذا كان العجز، في جوهره، سجدة وجودية. ليس لأنه يُحبّ، بل لأنه يُعلِّم. فيه يتراجع الإنسان خطوة عن تضخّم ذاته، لا إلى العدم، بل إلى الحقيقة. وفيه يفهم أن السعي مطلوب، لكن الثمرة ليست مضمونة، وأن الإرادة شريفة، لكنها ليست سيّدة المشهد، وأن الإخلاص لا يمنح الإنسان حقّ الاعتراض على مجرى الأمور.
حتى الأمم تمرّ بهذه السجدة. حين تظن أنها أمسكت مفاتيح التاريخ، ثم تُغلَق الأبواب فجأة، وحين تبني مشاريع كبرى، ثم تنهار أمام حدث واحد خارج الحساب. العجز الجماعي يذكّرها بما يذكّر به العجز الفردي: أن القوة ليست صكّ خلود، وأن الامتلاك لا يعني العصمة، وأن الغلبة ليست ضمانة للحق. وحين تتأخّر هذه الحقيقة في الظهور، تكون الصدمة أشدّ وأقسى. وفي هذه السجدة، إمّا أن تتطهّر الجماعة من وهمها، فتراجع نفسها ومعاييرها وأخلاقها، أو تتضاعف قسوتها بحثًا عن تعويض وهمي، فتستبدل فقدان المعنى بمزيد من البطش، وفقدان البصيرة بمزيد من الضجيج، ظنًّا منها أن الصوت العالي يُخفي الفراغ الداخلي.
العجز لا يطلب من الإنسان أن يستسلم، بل أن يعرف موضعه. أن يعمل دون ادّعاء، وأن يسعى دون تألّه، وأن يقبل بأن بعض الأبواب لا تُفتح، لا لأن الطارق سيّئ، بل لأن الحكمة اقتضت الإغلاق. فليس كل منع حرمانًا، ولا كل تأخير خسارة، ولا كل سقوط نهاية. وحين يفهم الإنسان هذا، يتحرّر. لأنه لم يعد عبدًا للنتائج، ولا رهينة لما لم يحصل عليه، ولا مكسورًا أمام ما فات. يصبح قادرًا على السعي بهدوء، وعلى الانتظار بكرامة، وعلى الفعل دون أن يربط قيمته الشخصية بما يملك أو لا يملك، ولا بما يُقال عنه أو يُنتظر منه.
في السجدة الوجودية، لا يخسر الإنسان كرامته، بل يستعيدها. لأنه يتصالح مع كونه محدودًا، ومع ذلك مسؤولًا، ضعيفًا، ومع ذلك مكلّفًا بالسعي، غير قادر على كل شيء، ومع ذلك مطالب بأن يفعل ما يستطيع، وأن يترك ما لا يملك لِمَن يملكه. وهكذا لا يعود العجز لعنة، بل يصبح موضع توازن؛ نقطة يقف عندها الإنسان، لا ليقول: انتهيت، بل ليقول: عرفتُ نفسي، وعرفتُ قدري، وعرفتُ الطريق الذي ينبغي أن أسير فيه دون غرور، ودون انكسار، ودون ادّعاء لا يحتمله المعنى ولا يحتمله الإنسان.

