في أحد أقسام الأطفال داخل أحد مستشفيات قطاع غزة، يمضي الطفل ياسر عرفات (6 أعوام) شهره الثالث على التوالي بين جدران بيضاء وأجهزة طبية محدودة الإمكانات، سريره الصغير بات عالمه الوحيد، وسوار المعصم البلاستيكي حلّ مكان ألعاب الطفولة التي حُرمها منذ بدأت رحلته مع المرض.
فمنذ ثلاثة أشهر، لم يغادر ياسر المستشفى، دخله على قدميه متعبًا من إسهال واستفراغ ظنّ الأطباء في بدايته أنه نزلة معوية عابرة، لكن الأيام كشفت حقيقة أكثر قسوة، حيث أظهرت الفحوصات الأولية إصابته بمرض السيلياك (حساسية القمح)، وهو اضطراب مناعي مزمن يمنع الأمعاء من امتصاص العناصر الغذائية عند تناول الغلوتين، ما أدى إلى سوء امتصاص حاد انعكس على جسده الصغير بسوء تغذية شديد ونقص خطير في الألبومين والبروتين.
وبصوت وقلب متعبين تتحدث والدته إيمان عرفات من سكان مدينة خان يونس، لصحيفة "فلسطين": "مع مرور الوقت، تفاقمت الأعراض، وارتفعت حرارته بشكل مستمر مع إسهال واستفراغ مفرطان، وانتفاخات خطيرة في أنحاء جسمه، خاصة الأطراف السفلية، نتيجة اضطراب الامتصاص ونقص البروتين".
فساقاه المتورمتان بالكاد تحملانه، وحتى الجلوس لفترات طويلة يرهقه، الأطباء يراقبون مؤشراته الحيوية يومًا بيوم، يحاولون تثبيت حالته بما توفر من بدائل علاجية، في ظل نقص حاد في الإمكانيات والمعدات الطبية اللازمة لإجراء تحاليل متقدمة غير متوفرة في القطاع.
ووالدته التي لا تفارق سريره، وتنام على كرسي بلاستيكي، وتستيقظ مع كل حركة أو أنين. قبل ثلاثة أشهر ونصف فقط، كانت قد ودّعت طفلها الآخر موسى (8 أعوام) الذي توفي بعد صراع مع المرض ذاته، تقول بصوت مثقل: "لما بدأت الأعراض تظهر على ياسر، قالوا نزلة معوية، بعدين اكتشفنا إنها نفس حالة موسى، أنا عايشة نفس الخوف من جديد".
تتابع: "يوم يتحسن، نفرح ونقول بدأ يتعافى، ثاني يوم تتراجع حالته، وترتفع حرارته ويرجع الاستفراغ، ويصير وضعه من سيء لأسوء، فثلاثة أشهر وهو بالمستشفى… ما شاف الشارع، ما لعب، ما راح على الروضة".
وتضيف: "خايفة أخسره متل ما خسرت موسى"، مشيرة إلى أن بقاء ياسر في المستشفى طوال هذه المدة يعكس خطورة وضعه وعدم استقرار حالته، وحتى الآن، لم يتمكن الأطباء من تقييمها بشكل نهائي بسبب غياب بعض الفحوصات التشخيصية المتخصصة.
كما أن الحمية الغذائية الدقيقة الخالية من الغلوتين، التي تُعد حجر الأساس في علاج السيلياك، يصعب توفيرها بشكل منتظم ودقيق، كما أن المكملات والعلاجات اللازمة لتعويض النقص الحاد في البروتين والألبومين محدودة.
فياسر بحاجة ماسة وعاجلة إلى تحويلة علاجية خارج البلاد لتلقي رعاية متخصصة تشمل فحوصات دقيقة، دعمًا غذائيًا مكثفًا، وإشرافًا تخصصيًا مستمرًا، فالتأخير قد يزيد المضاعفات ويهدد حياته.
ولا يتوقف الألم عند هذا الحد؛ فوالده يعاني من سوء تغذية، إضافة إلى ثقب ولحمية في الصمام ويحتاج هو الآخر إلى تدخل جراحي وتحويلة علاجية، ما يجعل الأسرة بأكملها أسيرة المرض.
ينتظر ياسر ووالده قرار الإجلاء الطبي كما ينتظر جرعة أمل أخيرة، في ظل القيود المشددة المفروضة على قطاع غزة والتي تعيق حركة المرضى وتحويلهم للعلاج خارج الحدود.
وتلفت والدته إلى أن ملف ياسر الطبي جاهز، لتمر الأيام ثقيلة وهو يراقب السقف ذاته، فيما تزداد حالته هشاشة، وتخشى أن يسبقه الوقت قبل أن يحالفه الحظ للخروج للعلاج.
ولا يوجد أمنية لإيمان إلا أن يتعالج صغيرها ويشفى، ويخرج من المستشفى وهو يمشي على قدميه، وبين الأجهزة المحدودة والدعوات الصامتة، يبقى السؤال معلقًا: هل يُمنح ياسر فرصة النجاة قبل أن يتكرر المشهد ذاته الذي خطف شقيقه موسى؟