في غزة، حيث تتقاطع الخسارة مع الانتظار، تجلس خديجة البايض (30 عاماً)، أم لثلاثة أطفال، على هامش الحياة التي انقلبت فجأة من تفاصيل يومية بسيطة إلى معركة مفتوحة مع الألم والعجز. لم تعد سنوات عمرها مجرد رقم، بل صارت سيرة مثقلة بالفقد والنزوح وإصابة قاسية جعلتها أسيرة سرير المرض، معلّقة بين واقع ثقيل وأمل مؤجل.
قبل الحرب، كانت خديجة منشغلة بتربية أبنائها ورعاية بيتها، لكن في سبتمبر/أيلول الماضي تغيّر كل شيء. خلال زيارة عائلية عادية إلى منزل أهلها في مدينة غزة، استهدف القصف المكان، فتحوّل الدفء إلى مأساة دامية. استشهد اثنان من أشقائها في اللحظة ذاتها، وأصيبت هي إصابة خطيرة في قدميها، لتبدأ رحلة طويلة من الألم.
يستعيد زوجها وجدي تلك اللحظات قائلاً لصحيفة "فلسطين": "القصف وقع أمام أعين أطفالنا. نجا الصغار بإصابات طفيفة لأنهم كانوا في غرفة أخرى، لكنهم شاهدوا أمهم تنزف وأخوالهم شهداء، فكانت الصدمة أكبر من قدرتهم على الاحتمال".
لم تكن إصابة خديجة الجسدية وحدها هي الأقسى، بل الأثر العميق الذي تركه المشهد في نفوس أطفالها، الذين كبروا سنوات في لحظة واحدة. ومنذ ذلك اليوم، أصبحت خديجة عاجزة عن الحركة، فيما بقيت طبيعة إصابتها غير محسومة، وسط نقص الإمكانيات الطبية وتأخر التشخيص.
مكثت قرابة شهرين في المستشفى، بين فحوصات غير مكتملة وانتظار بلا إجابات، بينما كان الألم يزداد ثقلاً يوماً بعد يوم. ويقول زوجها: "أول ما أفاقت، سألت عن أبنائها… حتى في ذروة وجعها، كانت الأمومة أول ما يشغلها".
في البداية، لم يُبدِ وجدي اهتماماً كبيراً بإجراءات التحويلة الطبية، في ظل إغلاق المعابر، لكن مع مرور الوقت أصبح الأمل في العلاج ضرورة ملحّة. ويضيف: "اليوم، خديجة كالغريق الذي يتمسك بأي فرصة للنجاة".
الحياة داخل النزوح لا تمنح المصابين رفاهية التعافي، فإلى جانب حاجتها اليومية لمن يساعدها في أبسط تفاصيلها، هناك ثلاثة أطفال يحتاجون إلى رعاية، وأسرة تعيش ظروفاً قاسية أعادتها الحرب إلى أبسط أشكال الحياة.
ويتابع وجدي: "هي تعاني نفسياً لأنها لم تتأقلم مع إصابتها، وتحتاج إلى من يرعاها، إلى جانب مسؤولية الأطفال، في ظل ظروف معيشية صعبة جداً، حتى أبسط الأعمال اليومية أصبحت مرهقة".
كل صباح، تنظر خديجة نحو الباب، وكأنها تنتظر خبراً يغيّر مصيرها؛ موافقة علاج، فتح معبر، أو موعد سفر يخرجها من دائرة الانتظار. حلمها بسيط: أن تمشي من جديد، أن تعود إلى حياتها، وأن تحتضن أطفالها دون أن تكون هي من تحتاج إلى من يحملها.
خديجة لا تطلب المستحيل، بل فرصة للعودة إلى ما كانت عليه؛ أمّاً قادرة، وامرأة تستعيد حياتها التي توقفت تحت الركام، وما زالت تنتظر أن تُستأنف.