في مشهدٍ مثقلٍ بالخسارات، وقف أفراد عائلة لبد أمام ساحة مجمع الشفاء الطبي غرب مدينة غزة، لا للبحث عن علاج مفقود، بل للعثور على إجابة عن سؤال لم يتغير منذ بدايات حرب الإبادة على القطاع الساحلي: أين طفلنا؟
سؤالٌ وُلد في أروقة المستشفيات المزدحمة بأنين الجرحى ومصابي الحرب، وكبر بين الأنقاض، ولم يجد أحدٌ إجابة تُطفئ قلق الشاب محمد لبد، الذي نجا من مجزرة إسرائيلية وفقد الكثير، لكنه ما يزال يتشبث بأمل العثور على طفله الصغير.
وفي محاولة لإيصال صوت المعاناة، شارك محمد ومعه كبار ووجهاء عائلة لبد، في وقفة أمام مجمع الشفاء، للكشف عن تفاصيل فقد طفلهم، تخللها إلقاء بيان للرأي العام خلال مؤتمر لاقى اهتمامًا كبيرًا من الصحفيين.
تعود القصة إلى 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أي بعد أيام قليلة من بدء جيش الاحتلال حرب الإبادة في السابع من ذلك الشهر. يومها أُصيب محمد وزوجته أمل لبد، الحامل في شهرها الثامن، إثر قصف إسرائيلي عنيف استهدف منطقة سكنهما المكتظة سكانيًا في مشروع بيت لاهيا شمالي القطاع، وأدى إلى ارتكاب مجزرة راح ضحيتها العشرات بين شهيد وجريح.
قُدِّر لمحمد أن ينجو من القصف، ونُقل على إثره إلى المستشفى الإندونيسي شمالًا لتلقي العلاج. أما زوجته أمل، فكانت إصابتها خطيرة جدًا، وقد استطاعت فرق الإسعاف والطوارئ نقلها إلى مستشفى كمال عدوان القريب من منزلها.
هناك، حيث تختلط آهات الناجين بأنين الجرحى والمصابين، وضعت أمل طفلها قبل أوانه بعد عملية قيصرية لجأ إليها الأطباء لإنقاذ حياته من الهلاك، في ظروف استثنائية فرضتها الحرب.
لاحقًا، قرر الأطباء نقلها وطفلها إلى مجمع الشفاء الطبي، قبل أن تُنقل مجددًا بدونه إلى غرف العناية المركزة في مستشفى القدس بحي تل الهوا، جنوبي مدينة غزة، لتبدأ بعدها خسارة جديدة ما كان لها أن تكون لولا الحرب والظروف المروعة التي رافقتها.
وبينما كانت أمل وطفلها مسجلين كمجهولي الهوية في ذلك الوقت، كما يفيد المختار أحمد سعيد لبد، كان أفراد العائلة يواجهون ظروفًا استثنائية، يتعرضون فيها للتشتيت والإصابات وفقدان الأحبة.
وبحسب قوله، فإن والد الطفل المولود حديثًا، كان مصابًا، في حين انشغل أفراد من العائلة في البحث بين الأنقاض والمستشفيات عن المفقودين. وبعد أسبوع، تعرّفت العائلة على الأم في العناية المركزة بمستشفى القدس، لكنها كانت في حالة حرجة، واستشهدت في اليوم التالي دون أن يكون معها طفلها.
"منذ تلك اللحظة، لم نجد إجابة حتى اليوم على سؤالنا: أين طفلنا؟" قال المختار لبد، وهو يتلو بيان العائلة.
وأضاف: "في مستشفى الشفاء، وُجد طفل مجهول بنفس المواصفات، لكن تم التعرف عليه من قبل عائلة أخرى لديها قصة مشابهة".
وتابع: "في 19 نوفمبر 2023، تم إجلاء الأطفال الخدّج من مستشفى الشفاء إلى مصر، وخلال فترة الإجلاء حاولت عائلة لبد التواصل مع الجهات المختصة وإبلاغها بحقيقة القضية للتحري، إلا أن الإجابة كانت دائمًا أن الأمر مرتبط بانتهاء الحرب، ولم يكن متاحًا لوالد الطفل الوصول إليه أو التواصل معه في مصر، بدعوى أنه منسوب لعائلة أخرى".
وبحلول 30 مارس/آذار 2026، عاد الطفل إلى غزة، ومنذ ذلك الوقت تواصلت عائلة لبد بشكل مستمر مع الجهات المختصة للتحقق من آلية نسب الطفل للعائلة الأخرى، وبذلت جهودًا استثنائية في البحث وجمع الشواهد.
وبيّن مختار عائلة لبد أن مسارات البحث عن طفل العائلة قد تقاطعت، وتشمل أقوال عاملين في القطاع الصحي تابعوا الحالة، ومواد إعلامية وثّقت الواقعة، وكلها تشير إلى احتمال قوي بأن هذا الطفل هو ابن عائلة لبد، وقد زوّدت الجهات المختصة بكافة التفاصيل.
وتابع: "في ضوء أن العائلة المنسوب لها الطفل قد استلمته ويعيش الآن في كنفها، رغم الشواهد التي ترجح أنه ابننا، نؤكد أن القضية إنسانية وقانونية بامتياز، نشأت في ظروف قاهرة فرضتها حرب الإبادة وما رافقها من تدمير للمنظومة الصحية وفقدان السجلات".
وحمّل مختار عائلة لبد الاحتلال المسؤولية المباشرة عن هذه المأساة، بما ارتكبه من جرائم إبادة بحق العائلات، وتدمير للمنظومة الصحية، وتمزيق للنسيج المجتمعي، وتعطيل إدخال أجهزة فحص الحمض النووي (DNA)، ما يعقّد سبل الوصول إلى الحقيقة.
وقال أيضًا: إن "وزارة الصحة تتحمل مسؤولية مباشرة عن حل هذه القضية، كون جميع تفاصيلها جرت داخل مستشفياتها، وحتى اللحظة لم يتم تزويدنا بأي وثائق أو دلائل حاسمة حول مصير طفلنا".
وأكمل: "نؤكد موقفنا الإنساني تجاه العائلة الأخرى، فهي عائلة مكلومة مثلنا، نشاركها الألم، ولا نخاصمها، بل نؤمن أن الحقيقة يجب أن تُحسم بالعِلم، وبما لا يدع مجالًا للشك أو التأويل".
ووجّه نداءً إلى المؤسسات الدولية وهيئات حقوق الإنسان بضرورة تحمل مسؤولياتها، والتدخل العاجل لدعم جهود إثبات النسب، ومساندة الجهات المحلية في هذه القضية، مؤكدًا أن عائلة لبد ستواصل بكل الوسائل القانونية والمشروعة سعيها للوصول إلى طفلها، ولن تتنازل عن حقها في معرفة الحقيقة كاملة.
أما محمد لبد، فكانت خسارته كبيرة باستشهاد زوجته، بينما طفله ما يزال في عداد المفقودين.
طالع المزيد: الطفل الخديج "مالك غبن".. عامان ونصف من الغياب تكشف إصابته بطيف التوحد
لكن المأساة لم تنتهِ هنا، إذ إن المجزرة الإسرائيلية تسببت أيضًا باستشهاد طفلته رنا (5 أعوام)، وبقي جثمانها تحت الركام حتى اليوم، ولم يبقَ له سوى طفلته الصغيرة جنى، البالغة (4 أعوام).
قال محمد بصوت متقطع مخاطبًا طفله المفقود خلال المؤتمر: "قلبي مُعلّق بك حتى لو لم أرك.. كم تمنيت أن أكون بجانبك يوم ميلادك، أؤذّن لك، وأحتضنك، لكن القصف سبق كل شيء.. لن أتخلى عنك، وسأواصل البحث حتى أجدك".