السوق الذي تحوّل خلال حرب الإبادة إلى سوقٍ مركزي بعد قصفٍ طال أسواقًا أخرى وصعوبة الوصول إليها، يقف اليوم مثقلًا بذكرياته.
بعض البضائع عادت إلى البسطات؛ الأقمشة الملوّنة تتدلّى، وصناديق التمر تصطفّ على استحياء، وأكياس البهارات تفوح برائحةٍ تحاول أن تذكّر العابرين بأن رمضان على الأبواب. لكن شيئًا ما مفقود… الصوت.
لا أناشيد رمضانية تنبعث من مكبّرات الصوت، لا “رمضان جانا”، ولا ضحكات أطفال يركضون بين المحال. فقط همسات مشترين يسألون عن السعر، ثم ينسحبون بهدوء.

يقول صاحب بسطة للسلع التموينية، أيمن حرز: “الناس بتيجي تتفرّج… مش لتشتري. واللي بيشتري، بيشتري على قدّ يومه. زمان كانوا يشتروا مونة شهر كامل، أو على الأقل أسبوع”.
يمسك أبو زين عجور بحبل زينةٍ مضيء، يتفحّصه ثم يعيده إلى مكانه قائلًا: “ابنتي طلبت حبل زينة مضيء. قبل الحرب كان بثلاثة أو عشرة شواقل بالكثير، واليوم بـ25 شيقل”.
يتنهّد ويضيف: “حبل الزينة الكرتوني على شكل هلال وفوانيس ونجوم كان بشيقل واحد… اليوم صار فوق الثلاثة شواقل، وبعضه بخمسة. أما الفوانيس فأسعارها تضاعفت كثيرًا”.
تمرّ طفلة صغيرة بجانبه، تشدّ طرف معطف والدتها وتشير إلى فانوس بلاستيكي يتدلّى من بسطةٍ قريبة. تبتسم الأم بحرج، ثم تهمس: “بنشوف بعدين”.

زينة على خجل
في زاويةٍ من السوق، علّق محمود الزرد، أحد الباعة، عدة حبال زينة فوق بسطته. تبدو الألوان باهتة تحت سماءٍ رمادية. يقول وهو يرتّب البضاعة: “علّقنا الزينة عشان الناس تحسّ إنه في رمضان… بس الشغل ضعيف جدًا. اللي كان يبيع 50 فانوس باليوم، اليوم يمكن يبيع خمسة”.
ويشير إلى علبة فوانيس صغيرة قائلًا: “زمان كانت العيلة تشتري لكل طفل فانوس. اليوم إذا اشتروا واحد للبيت كله بيكون منيح”.
رمضان والسوق
أم محمد، سيدة خمسينية جاءت تتفقد الأسعار، تحمل كيسًا صغيرًا فيه نصف كيلو من المعكرونة وقليلًا من الأرز. تقول: “رمضان كان يُعرف من السوق. كنا نيجي قبل أسبوع، نشتري تمرًا وعصيرًا وبهاراتٍ وحلويات وزينةً للأولاد… اليوم بنحسبها بالشيقل”.
تتوقف أمام بسطة التمر، تسأل عن السعر، ثم تكتفي بنصف الكمية التي اعتادت شراءها، وتضيف: “صرنا نشتري على قدّ اليوم. ما في قدرة نخزّن. الأسعار نار، والدخل شبه معدوم”.
حتى أصوات الباعة تغيّرت؛ لم يعد أحد ينادي بصوتٍ عالٍ لجذب الزبائن.
يقول أبو علاء، بائع مواد غذائية: “ما في داعي ننادي. الناس عارفة إن السوق هون. المشكلة مش بالمكان… المشكلة بالقدرة الشرائية”.

ويستعيد السنوات السابقة قائلًا: “كان قبل رمضان بيوم السوق ما بتمشي فيه من الزحمة… اليوم بتقدر تمشي براحتك”.
يمرّ شابان يتأملان البضائع، يلتقط أحدهما صورة لحبال الزينة بهاتفه، ثم يغادران دون شراء شيء.
بين الذاكرة والواقع
سوق الصحابة، الذي صار ملاذًا اضطراريًا بعد تدمير أسواق أخرى وخطورة الوصول إليها، يحاول أن يستعيد شيئًا من ملامحه القديمة. البسطات ممتدة، والبضائع موجودة — ولو بكميات محدودة — لكن الإقبال خافت، والقدرة الشرائية أضعف من أن تعيد الضجيج.
في المساء، تُضاء بعض حبال الزينة المعلّقة على خجل، فتنعكس ألوانها على وجوه المارة. تمرّ عائلة صغيرة؛ يتوقف الطفل أمام فانوسٍ مضيء يحدّق فيه طويلًا. يربت الأب على كتفه ويقول: “إن شاء الله السنة الجاي”، ثم يُكملان السير.
قبل يومٍ واحد من رمضان، يقف سوق الصحابة شاهدًا على زمنٍ تغيّر؛ زمنٍ صار فيه الناس يأتون ليتفرّجوا أكثر مما يشترون، ويحملون في قلوبهم رمضان القديم… أكثر مما يحملون في أكياسهم.


