﴿لَيسَ لَها مِن دونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ النجم58
لحظة الطائف الخالدة، حين تخلّى عنه الجميع وانهالت عليه الحجارة، وقف النبي ﷺ وحيدًا في ميدان المحن، يدعو ربّه بكل ضعفه وهوانه، متوسلاً إليه بقلبٍ ملؤه الإيمان والصبر، وذاك الدعاء الذي صار نبراسنا في محن غزة: ضعف القوة وقلة الحيلة، وملاذ لا ملجأ سواه، حيث لا يملك الإنسان إلا أن يلتجئ إلى رحمة الرحمن، ويستنجد بنوره الذي يشرق به على عتمات الدنيا والآخرة، في ظل حصار من كل جانب وضيق الأرض بما رحبت، يتجلى الإيمان في أسمى صوره حين يُنشد القلب دعاء نوح ومتى نصر الله، رغم سحق الأرض ودمارها، يبقى الأمل متقدًا بأن لا معقب لحكم الله، وأن النصر قادم لا محالة لمن وثق به، فليس أمامنا إلا العمل والصبر واليقين أن الله نصيرنا، وأنه الكافي لعبده، فتلك هي مآثر الصابرين الذين يمضون بخطى ثابتة رغم كل عواصف الألم، حاملين معهم شعلة الحق التي لن تنطفئ.
الموقف الأشد والأقسى على رسول الله ﷺ كما وصف حاله يوم الطائف حيث لُوحق بالحجارة وتخلى عنه الجميع حينها لا ملجأ ولا منجى، وكان الدعاء: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن ينزل بي غضبك أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك".
وهذا حالنا في غزة حيث تخلت عنا الدنيا ونلاحق بالصواريخ التي تقطع الأجساد وتسحق البيوت ومراكز الإيواء، ودعاء النبي ﷺ هو دعاء لا ينقطع في نجوى لله تعالى سرًا وجهرًا وليلاً ونهارًا حيث {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ} (النجم: 58) فقد أوصدت الأبواب وتكالبت الأحزاب {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} (التوبة: 25) ولا ملجأ من الله إلا إليه، فاشتد الكرب واجتمعت البأساء والضراء وزلزلنا حتى نقول {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} (البقرة: 214) ويصحبنا دعاء نوح عليه السلام {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ} (القمر: 10) ويقينًا الأمر كله لله وهو الأقرب لنا من حبل الوريد ولا معقب لحكمه.
ومع الكرب الشديد فإن المصاب عظيم فقد سُحقت غزة وأُبيدت عن بكرة أبيها، والمحنة قاسية والابتلاء شديد والزلزلة ممتدة زمنيًا إلى سنة عسرة كاملة حتى {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} (التوبة: 25) ومع ذلك فلا نظن بالله إلا خيرًا "اللهم سلمنا أنفسنا إليك ولا ملجأ منك إلا إليك {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}" (البقرة: 127).
ولا يتعارض ذلك مع الأخذ بالأسباب والعمل للصبر بملاقاة العدو بل وهزيمته بأبسط المقدرات والإمكانات إيمانًا ويقينًا أن النصر من الله الناصر {يَنصُرِ اللَّهُ مَن يَشَاءُ} (الروم: 5) ويتحقق منه فقط دوماً العون والغوث والكفاية والمأوى اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} (الزمر: 36).

