فلسطين أون لاين

#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيامُ }    البقرة183

رمضان غزة

{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}

ها هو رمضان الثالث يطلّ على غزة، لا كرمضان المآذن المضيئة والموائد العامرة، بل كرمضان الجراح والدماء، رمضان الركام والأنقاض، رمضان الصبر الذي يختلط فيه الجوع بالعبادة، والدم بالشهادة، والحرمان باليقين.

في رمضان الأول، كان السحور بلا طعام، والفطور بلا شراب، وكانت المعدة تصبر على علف الحيوانات أو خشاش الأرض. في رمضان الثاني، كان القصف يوقظ الناس بدل الأذان، وكانت العائلات تجمع أشلاء أحبّتها بدل أن تجتمع حول مائدة. وها هو رمضان الثالث، يطلّ على شعبٍ صائم بالدم، صائم بالجوع، صائم بالصبر، يكتب بدمه معنى جديدًا للآية: "لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ".

يا أهل غزة، أنتم الذين جعلتم من الصوم جهادًا، ومن الجوع عبادة، ومن الفقد شهادة على الصبر. أنتم الذين أثبتم أن رمضان ليس وليمة، بل هو مدرسة تُخرّج أبطالًا يواجهون المحرقة بالثبات والإيمان. أنتم الذين حوّلتم الجوع إلى طقس إيماني، والحرمان إلى قربى، والفقد إلى ملحمة تُروى للأجيال.

من بين الركام يخرج الفلسطيني حافي القدمين، كطائر الفينيق، يواجه عصابات الإبادة، يردّد مع القرآن: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ كَمَا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}، ويقول: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}. في كل بيت مدمّر، وفي كل زقاق محاصر، يولد معنى جديد للثبات، ويُكتب فصل جديد من ملحمة غزة.

في غزة، رمضان ليس مجرد شهر، بل هو فصل من كتاب المقاومة، صفحة تُكتب بالدم والدمع، بالركام والصلوات. هناك، حيث الزيتون يظل شامخًا رغم الحصار، وحيث البحر يهمس بأسرار الحرية، يصوم الناس على الجراح، ويُفطرون على الأمل. الأطفال الذين ينامون على أصوات الطائرات، يعلّمون العالم أن الطفولة لا تُهزم، والنساء اللواتي يخبزن الخبز من رماد البيوت يعلّمن أن الحياة تولد من الموت، والشيوخ الذين يرفعون أيديهم بالدعاء يثبتون أن الإيمان أقوى من كل سلاح.

يا أهل غزة، أنتم لستم وحدكم؛ أنتم صدى بدر وأحد والأحزاب، أنتم امتداد صلاح الدين، أنتم الذين جعلتم من رمضان مدرسةً للأمة كلها. أنتم الذين تقولون للعالم: إن الصوم ليس جوعًا، بل هو جهاد، وإن الفقد ليس هزيمة، بل هو شهادة.

اللهم اجعل رمضان غزة نورًا للأمة، ودماء شهدائها طريقًا للنصر، وصبرها ملحمة تُروى للأجيال، حتى يشرق الفجر الذي يكسر الليل، ويُرفع الأذان فوق المآذن من جديد.

المصدر / فلسطين أون لاين