فلسطين أون لاين

الصوت والبندقية: كيف أصبحت أم كلثوم هدفا للموساد

...
الصوت والبندقية: كيف أصبحت أم كلثوم هدفاً للموساد
ترجمة خاصة/ فلسطين أون لاين

بعد مرور واحد وخمسين عاماً على وفاة "نجم الشرق"، تُظهر السجلات الأرشيفية والروايات التاريخية كيف نُظر إلى أعظم مغنية في العالم العربي باعتبارها تهديدًا إستراتيجيًا لـ "إإسرائيل.

في الساعات الأولى من يوم 3 فبراير 1975، تدفق أكثر من أربعة ملايين شخص إلى شوارع القاهرة لحضور جنازة  أم كلثوم والتي رُثيت بلقب "سيدة الأغنية العربية"، الصوت الذي وحّد العالم العربي لعقود. لكن إرثها لم يقتصر أبداً على المسرح.

بعد مرور أكثر من 50 عامًا على وفاتها، كشفت روايات ظهرت حديثًا عن امرأة كان صوتها يُعتبر قويًا لدرجة أنه وضعها على قائمة اغتيالات إسرائيلية قبل عقود.

كان صوت أم كلثوم بمثابة جسر عبر بلاد الشام، وبين عامي 1929 و1935، زارت فلسطين ثلاث مرات على الأقل، وقدمت عروضاً في المراكز الثقافية في يافا وحيفا والقدس.

تُسلط هذه الزيارات، التي وثّقها الموسيقي الفلسطيني واصف جوهرية، الضوء على فترة من النهضة الثقافية والحياة الفنية الثرية. وقد سافرت بالقطار بين المدن، وقدمت خلالها أعمالاً مبكرة مثل "إن غفرت" .

وخلال هذه الجولات، يُقال إنها نالت لقبها الأشهر. ووفقًا للروايات المحلية، هتف أحد المعجبين في مسرح بفلسطين، متأثرًا بأدائها: "كوكب الشرق".

كانت هذه العروض دليلاً على وجود بيئة ثقافية فلسطينية مزدهرة تضمنت مشهدًا مسرحيًا وأدبيًا نابضًا بالحياة، يضم شخصيات مثل جميل البحري ونجيب نصار - وهو عالم سيتم إسكاته إلى حد كبير بسبب أحداث النكبة عام 1948 .

مع تغير المشهد الجيوسياسي، تغيرت أيضاً النظرة إلى نفوذ أم كلثوم. ففي يوليو/تموز 1949، ذكرت صحيفة البلاغ المصرية أن إذاعة "إسرائيل" الرسمية كانت تبث يوميًا  دعوات تحريضية و"أحكاماً بالإعدام" بحق أم كلثوم وفنانين عرب بارزين آخرين.

كانت جريمتهم المزعومة هي حشد الروح المعنوية للرأي العام العربي ودعم الجيوش العربية خلال حرب 1948. ورغم إسقاط هذه "الأحكام" المزعومة لاحقاً بعد اتفاقيات الهدنة لعام 1949، إلا أنها أرست سابقة خطيرة: فقد اعتبرت السلطات الإسرائيلية تأثير "أم كلثوم" الثقافي مصدر قلق أمني وليس مجرد ترفيه.

لكن في أعقاب هزيمة عام 1967، والمعروفة باللغة العربية باسم النكسة ، دخلت حياتها السياسية فصلها الأكثر دراماتيكية.

لم تسكت أم كلثوم، وتأملت لاحقاً في تلك اللحظة قائلة: "رفضت الاستسلام لليأس بعد النكسة عام 1967. لم يكن أمامي سوى خيارين: إما أن أصمت وأتراجع إلى زاوية الانهيار النفسي، أو أن أتقدم بسلاحي - صوتي - وأبذل قصارى جهدي في المعركة. اخترت الخيار الثاني"، كما صرحت في مقابلة مع مجلة الهلال في أكتوبر 1971.

تبعتها تلك المهمة إلى مسارح العالم العربي، وفي النهاية إلى مسرح أولمبيا في باريس في نوفمبر 1967، حيث وصلت التوترات إلى نقطة الانهيار.

كان الحفل نفسه استثنائياً - يشير المؤرخ نامق سنان توران إلى أن مدير أولمبيا، برونو كوكواتريكس، دعا أم كلثوم بناءً على إلحاح الرئيس شارل ديغول ، الذي ورد أنه كان حاضرًا.

قدّمها المذيع الإذاعي المصري جلال معوض قائلاً: "اليوم ستغني أم كلثوم في باريس، وغداً في القدس المحتلة".

وبحسب ما ورد، هرع مدير المسرح إلى الكواليس مذعورًا، خوفًا من التداعيات السياسية. أما أم كلثوم، فقد ثبتت على موقفها، مؤكدةً أنها في مهمة وطنية، وحذرت قائلة: "إذا كان هذا يُخجلكم، فسنرحل". لقد انتصرت في المواجهة، وتم تكرار الإعلان وسط تصفيق مدوٍ.

عملية "عيون البقرة"

بالاستناد إلى وثائق استخباراتية بريطانية وأمريكية رُفعت عنها السرية، يفصّل كتاب "أم كلثوم والموساد: أسرار عملية عيون البقرة"  للصحفي توحيد مجدي ، والمكتوب باللغة العربية ، كيف راقبت المخابرات الإسرائيلية أم كلثوم كجزء من عملية سرية

يروي الكتاب كيف قام عملاء إسرائيليون بتتبع أنشطتها لجمع التبرعات عن كثب، وراقبوا منزلها في القاهرة، وحاولوا زرع أجهزة تنصت، واستكشفوا طرقًا لترهيبها لحملها على التخلي عن دعمها المالي للجيش المصري.

وتشير التقارير الاستخباراتية المذكورة في الكتاب إلى أنها جمعت أموالاً كافية لتمويل شراء 12 دبابة حديثة أو خمس طائرات مقاتلة.

ويصف الكتاب كذلك كيف أدرج جهاز المخابرات الخارجية الموساد أم كلثوم على ما يُسمى "قائمة التصفية" وسعى لتنفيذ خطط للقضاء عليها، بما في ذلك محاولة زرع عميل يوناني متنكر بزي ممرضة لاستغلال حالتها الصحية المزمنة في الركبة بنية القتل. وبحسب التقارير، فشلت العملية، لكن هذه الحادثة أكدت مكانتها كرمز من رموز المقاومة العربية.

المصدر / موقع "ميدل ايست آي" البريطاني