تعمل حركة حماس على إعادة تنظيم صفوف قواتها منذ اللحظة الأولى لوقف الحرب على قطاع غزة في 10 أكتوبر 2025 بعد استمرارها لما يزيد عن عامين متتاليين، حيث ظهر ذلك في الصحف العبرية من خلال أخبار منسوبةٍ لمصادر أمنية من داخل جيش الاحتلال "الاسرائيلي" ومؤسساته الأمنية التي تعمل في قطاع غزة كمنطقة جهد استخباري رئيسي لا يمكن التهاون معه، كما يظهر ذلك في تنفيذ الاحتلال للعديد من عمليات الاغتيال لقادةٍ بارزين في صفوف حركات المقاومة عمومًا وحركة حماس خصوصًا مثل القائد رائد سعد، والذي كان يعتبر الرجل الثاني في كتائب القسام بعد رحيل العديد من القادرة العسكريين البارزين خلال الحرب من خلال ادعاءات اختراق الهدنة من المقاومة الفلسطينية.
كما تعمل المؤسسة الأمنية "الاسرائيلية" على توطيد علاقاتها مع الميليشيات المنتشرة في قطاع غزة، وترتكز في عملياتها الأمنية على ميليشيا كل من المعروف بشوقي أبونصيرة والمتواجد في منطقة الخط الأصفر شرق دير البلح، والمدعو حسام الأسطل المتمركز في منطقة قيزان النجار في مدينة خان يونس حيث تواجد قوات الاحتلال في منطقة الخط الأصفر، ومن الجدير ذكره أن كلا المدعوين من ضباط السلطة الفلسطينية سابقًا، ما يجعل الارتكاز عليهم في العمليات الأمنية أكثر من الميليشيا المتمركزة شرق رفح بقيادة غسان الدهيني خلفًا لسلفه ياسر أبوشباب، على الرغم من انتساب الدهيني للسلطة الفلسطينية أيضًا إلا أن خبرته العسكرية وتدريبه خلال انضمامه لها لا يرقى لمستوى أبونصيرة والأسطل.
بالإضافة لما سبق، تداولت وسائل الاعلام الفلسطينية رفض لجنة التكنوقراط المقرة لحكم غزة توقيع أي اتفاقٍ مع حركة حماس بصفتها الحاكم الحالي للقطاع لتولي مهام تأمينها، مستعيضةً عن ذلك بالتعاقد مع شركاتٍ أمنية تعمل على حمايتها، ويمكن فهم تصرف اللجنة على وجهين:
الأول يتلخص برفضها التعامل مع حماس أمنيًا وذلك ما ينذر بخطرٍ على مستوى المقاومة التي تعتمد في عملها أولًا على قوة الأمن كركيزة أساسية، خصوصًا أن المسؤول عن ملف الأمن في اللجنة القيادي في السلطة سامي نسمان، والذي برز اسمه في العديد من الأعمال التي كان من شأنها إشعال الفتنة داخل القطاع، ونشر القلاقل بداخله بعد تولي حركة حماس الحكم عام 2007.
غير أن الوجه الثاني الذي يمكن أن يحمل عليه تصرف اللجنة ملخصٌ برفضها إظهار أي تعاون مع حركة حماس كحاكم للقطاع، في خطوةٍ تعمل على تذليل أي عقبات يمكن أن يصنعها الاحتلال "الاسرائيلي" لظهور أي مظاهر لوجود حماس، خصوصًا في ظل تراشق التصريحات حول نزع سلاح المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس.
كما نشرت بعض وسائل الاعلام رفض حركة حماس تخليها عن قطاعي المالية والأمن في قطاع غزة لصالح لجنة التكنوقراط، ما يطرح أمام الشارع الغزي إعادة سيناريو حزب الله في لبنان مع الحكومة اللبنانية، حيث السيطرة على موارد الحكومة وعدم قدرة الأخيرة على اتخاذ أي قرار دون مصادقة وزارتي المالية والأمن عليه، ما يخفف من عبء الحكومة على حركة حماس كنظام حاكم للقطاع، ويفرغها للعمل للمشروع المقاوم دون انشغالها بملفات الحكم ومتطلبات الشعب الفلسطيني في القطاع، كما يعمل ذلك على تسهيل إعادة بناء البنية التحتية المتضررة من أثر الحروب المتكررة على قطاع غزة والتي كان أقساها الحرب الأخيرة من العديد من الجهات الدولية التي كانت ترفض التعامل مع حكومة حركة حماس بصفتها منظمةً "ارهابية" وفق تصنيف بعض الدول لها.
ومن الجدير ذكره، فائدة ذلك على إعادة إصلاح الجبهة الداخلية الموالية للمشروع المقاوم من خلال إظهار انجازات المقاومة على صعيد الملف الأمني الذي تعاني منه غالبية الشعوب التي تقبع تحت الاحتلال، كما يُظهر أفضلية مشروع المقاومة في الأمن على مشروع المفاوضات المباشرة والمساومة في الضفة الغربية، خصوصًا بعد فشل مسار التسوية في اتفاقية أوسلو 1993، ونقل الاحتلال إدارة بلدية مدينة الخليل من صلاحيات السلطة الفلسطينية لصلاحيات الادارة المدنية "الاسرائيلية" خلال الأسبوع الماضي، ما يهدد وجود أهل مدينة الخليل ويعمل على تنغيص حياتهم.
الخلاصة:
لا شك أن استمرار مشروع المقاومة مكلف بتحديه للعالم أجمع، لكن نهايته الانتصار من خلال السير وفق استراتيجيات صحيحة وواضحة المعالم، لذا فإن عملية المقاومة لا يمكن اختزالها بالتنظيم المقاوم إنما يتعدى ذلك أشواطًا بعيدة تبدأ من الحاضنة الشعبية للمقاومة وتمر بالعمل السياسي الجاد المحمي من القوة الأمنية والعسكرية التي لا يمكن التهاون في تعاظمها، غير أن عدم تنازل حماس عن حقيبتي المالية والأمن يعتبر من أهم وأخطر التحديات التي يمكن أن تمثل نقطةً فارقةً في الاتفاق، فمن ملك المال ملك القرار، كما أن المالك للموارد الواردة والصادرة من البلاد، يملك زمام قرار السلم والحرب، خصوصًا في ظل عدم وجود وزارةٍ للجيش.

