فلسطين أون لاين

عناق لم يكتمل فوق الركام

ليلة العودة الأخيرة... حكاية والدَيْن خطفهما القصف قبل فجر اللقاء

...
صورة تجمع الشهداء: أبو هيثم وزوجته ونجلهما هيثم
غزة/ محمد حجازي:

بين لهفة العودة وصدمة الفقد، تختصر حكاية عائلة سلمي فصلاً موجعًا من سيرة النزوح في غزة؛ إذ تحولت رحلة رجوعٍ طال انتظارها إلى وداعٍ أخير لم يمهلها الاحتلال حتى شروق الفجر.

في ليلة الرابع من شباط/فبراير 2026، تلقى المحامي أحمد سلمي اتصالًا بدت نبراته مفعمة بفرحٍ غاب لعامين كاملين. كان والده الحاج علي سلمي (56 عامًا) يهمس من أمام أنقاض منزله المدمر في غزة، معلنًا وصوله مع زوجته الحاجة بسينة (53 عامًا) بعد رحلة نزوح قاسية بين خيام الجنوب، في محاولة لملامسة ما تبقى من البيت والذاكرة.

طالع المزيد: خلف الصورة تنتظر… جوري وحكاية أبٍ غيّبته السجون

اتفق الأبناء سريعًا على مفاجأةٍ مضادة مع خيوط الصباح الأولى؛ إفطارٌ عائلي فوق الركام، يعيد شيئًا من دفءٍ سرقته الحرب. لكن الرسائل المتبادلة على مجموعة العائلة انقلبت قلقًا حين دوّى القصف بعنف في محيط المنزل، قبل أن تنقطع الاتصالات وتغرق الساعات في صمتٍ ثقيل.

مع بزوغ الفجر، وصل الأبناء إلى المكان ذاته الذي حدده الأب موعدًا للقاء. لم يجدوا مائدة الإفطار التي حلموا بها، بل خيمةً استهدفتها طائرات الاحتلال، وجثماني والدين عادا إلى غزة ليغادراها شهداء على أعتاب البيت.

لم يكن الحاج أبو هيثم غريبًا عن دروب الثبات؛ فبيته القريب من الحدود ظل قبل الحرب محطةً للمرابطين، يمدهم بالطعام والدفء ويؤمن أن حماية الأرض تبدأ من أبواب البيوت. وحتى بعد فقد ابنه الأكبر هيثم، كان يردد لأبنائه أن الثبات هو الطريق الوحيد للوفاء لفلسطين.

طالع المزيد: رحلوا معًا وبقي الوجع… حكاية "الثلاثي المرح" في غزة

أما الحاجة بسينة، فكانت حضورًا دعويًا هادئًا لا ينطفئ؛ حافظةً لكتاب الله، ومواظبةً على حلقات التعليم والذكر، حتى في أيام النزوح الأكثر قسوة. تمسكت بطقوس الحياة الصغيرة، وكانت تصر على إعداد أطباق غزة التقليدية كي لا تضيع ملامح البيت في الغربة المؤقتة.

بهذا المعنى، لم تكن العودة مجرد انتقالٍ مكاني، بل محاولة أخيرة لترميم علاقةٍ روحية مع الأرض. غير أن القصف سبق لحظة العناق، وحوّل الفجر المنتظر إلى مشهد وداعٍ نهائي.

يرى أحمد أن وصية والديه تحققت على نحوٍ مختلف؛ فقد عادا إلى غزة التي أحباها، ثم ارتقيا منها معًا، تاركين خلفهما إرثًا من الصبر والإيمان. وبينما لم يكتمل إفطار العائلة فوق الركام، يوقن الابن أن اللقاء المؤجل سيبقى وعدًا مفتوحًا في زمنٍ آخر، حيث لا نزوح ولا فراق.

المصدر / فلسطين أون لاين