تضيق أنفاسه في خيمة النزوح القسري وتحاصره الاضطرابات الصحية بلا استراحة، دون أن تلوح أمامه فرصة للخلاص من مرض لا يمهله كثيرًا لإنقاذ ما تبقى من نبضه، سواء بالسفر للعلاج، أو بإجراء عملية جراحية لا تتوافر إمكاناتها في غزة، التي دمر الاحتلال معظم مقدراتها الطبية.
هذه هي حال الشاب أسامة شلحة (23 عاما)، الذي بات وحيدًا لأمه بعد استشهاد أخيه قبل خمسة أشهر، لكنها "تذوب" في طيات مرضه وتخشى فقده، في ظل قيود الاحتلال المشددة على معبر رفح، المنفذ الوحيد للغزيين إلى العالم، ومنعه أو تقييده إدخال الإمكانات والمستلزمات الطبية والأدوية إلى القطاع.
طالع أيضًا: على حافة الأمل… مرضى غزة يعلقون حياتهم على فتح معبر رفح
تقول والدته سماح شلحة لصحيفة "فلسطين": أسامة يعاني من مشكلة في القلب. أجرى عملية سابقا في الداخل المحتل، والآن لديه انسداد في الصمام ويحتاج عملية أخرى.
الشاب الجريح أسامة شلحة (23 عاما) الذي بات وحيدًا لأمه بعد استشهاد أخيه قبل خمسة أشهر
قبل أيام استدعى تفاقم حالته الصحية نقله إلى المستشفى، وهناك أوصله الأطباء بالأكسجين وحصل على بعض العلاج، لكنه ظل بحاجة إلى العملية الجراحية. وتقول سماح، إنها أُبْلِغت بوجوب إجراء هذه العملية في أوروبا.
وتوضح أن ابنها حاصل على تحويلة علاجية قبل الحرب على غزة، وكان من المفترض أن يجري العملية الجراحية آنذاك، لكن لم يتحقق ذلك.
فقد أسامة 35 كليوجرام من وزنه، ولا يزال أسيرًا لأعراض المرض من ضيق التنفس والتنميل في اليد ومشكلات في الصدر. وتقول والدته، إن الطبيب أبلغها بأن صمام قلبه "يقف على شعرة"، في إشارة إلى صعوبة مرضه.
طالع أيضًا: فتح شكليّ لمعبر رفح... مرضى وجرحى غزَّة في مواجهة الموت
وازدادت الحالة الصحية لأسامة سواء منذ أن استشهد أخوه الوحيد بينما كان يحاول الحصول على لقمة عيش العائلة قبل أشهر، في ظل مجاعة فرضها جيش الاحتلال على الغزيين، عبر حصار مطبق، ومنع للمساعدات الإنسانية.
ويقيم أسامة مع أسرته في خيمة ببلدة القرارة جنوب قطاع غزة، وسط انعدام لمقومات الحياة، كأحد تداعيات حرب الإبادة الجماعية.
وتناشد الأم، تمكين فلذة كبدها من السفر للعلاج، وعدم تركه فريسة للمرض.
"لا أريد العيش بطرف واحد..."
وضمن طابور طويل من المرضى والجرحى الذين يعانون الأمرين في غزة بسبب سياسات الاحتلال، يئن الجريح أحمد المقادمة (25 عاما) تحت وطأة إصابته بنيران إسرائيلية، ما يهدد قدمه اليمنى بالبتر إن لم يسافر للعلاج خارج القطاع.
يقول المقادمة لصحيفة "فلسطين"، إنه أصيب بفعل مُسيَّرات تابعة للاحتلال في مدرسة لإيواء النازحين في مخيم البريج وسط قطاع غزة، في يوليو/تموز.
"كنا نايمين بالخيم ونزلت علينا مسيرات وحرقت الخيمة وأصبت بجميع أنحاء جسمي بشظايا وحروق.."، يوضح المقادمة تفاصيل لحظة فارقة في حياته.
الجريح أحمد المقادمة (25 عاما) تحت وطأة إصابته بنيران إسرائيلية
ونجم عن ذلك، إصابته بكسر "معقد" من الدرجة الثالثة في قدمه اليمنى. يضيف: حاول الأطباء أن ينقذوا قدمي من البتر وأجروا لي عمليات "تكسير عظام" ثلاث مرات.
لكن في ظل شبه انهيار المنظومة الصحية وشح الإمكانات والمستلزمات الطبية، يعاني المقادمة الآن من عجز كبير والتهابات في العظام وألم شديد في قدمه، وتستدعي حالته السفر للعلاج في الخارج لإنقاذها من البتر، وفق حديثه.
وتعكس معاناة شلحة والمقادمة واقع 20 ألف مريض وجريح في غزة، حسبما أفاد المدير العام لمجمع الشفاء الطبي د. محمد أبو سلمية في تصريحات سابقة لصحيفة "فلسطين".
وتظهر بيانات رسمية في غزة، وفاة 1268 حالة مرضية كانت في انتظار السماح لها بالسفر للعلاج في الخارج.
ووفق بيان للمكتب الإعلامي الحكومي في 27 يناير/كانون الثاني، فإن 440 حالة تعد حالات إنقاذ حياة، من أصل 20000 لديهم تحويلات طبية مكتملة. ومن بين العدد الإجمالي على قوائم الانتظار العاجلة للسفر 4000 من مرضى الأورام، و4500 من الأطفال.
ويسيطر الاحتلال الإسرائيلي على الجانب الفلسطيني من معبر رفح بالقوة العسكرية منذ مايو/أيار 2024. ومنذ بدء إعادة فتح معبر رفح الأسبوع الماضي، وصلت القطاع وغادرته أعداد محدودة جدا من المواطنين، وفق معطيات ميدانية. وتزداد الأزمة تعقيدًا بسبب القيود والعراقيل التي تفرضها سلطات الاحتلال على سفر المرضى لتلقي العلاج خارج القطاع.
بنبرة تحمل الألم والأمل، يقول المقادمة: أنا شاب في مقتبل العمر، ولا أريد أن أعيش بطرف واحد فقط... لدي تحويلة علاجية لخارج القطاع، وأناشد جميع المؤسسات الدولية المعنية، ولاسيما منظمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للصليب الأحمر الوقوف إلى جانبي.
وإلى أن تلقى هذه النداءات صدى على أرض الواقع، يبقى المقادمة وشلحة وغيرهما من المرضى والجرحى في غزة بين أوجاع المرض، وآلام الانتظار.