لا يمكن اعتبار الانتهاكات الإسرائيلية داخل سجون الاحتلال تجاوزاتٍ معزولة أو أفعالًا فردية، بل تمثل سياسةً ممنهجة ومدروسة للموت البطيء تُنفَّذ بحق الأسرى الفلسطينيين في وجود صمت دولي مريب. فقد تحوّلت السجون إلى فضاءٍ عقابي قاتل تُستخدم فيه أدوات التعذيب الجسدي والنفسي، والتجويع، والإهمال الطبي المتعمد، والعزل الانفرادي، ضمن وسائل لكسر الإنسان الفلسطيني واستنزاف حياته تدريجيًا حتى الفناء.
وأخطر تجليات هذه السياسة ما يطال الأسرى المرضى، ولا سيما المصابين بالسرطان، الذين يُحرمون العلاج والفحوصات والرعاية الأساسية، في انتهاكٍ صارخ للمواثيق الدولية، في حين يشكّل التواطؤ والصمت العالميان غطاءً لاستمرار هذه الجرائم وتحولها إلى ممارسةٍ علنية بلا مساءلة.
ووفق تقارير حقوقية فلسطينية، اعتمد الاحتلال منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 سياسة تجويعٍ ممنهجة بحق الأسرى، مترافقة مع انتشار أمراض جلدية وإهمال طبي متعمد، ما أدى إلى وفاة العشرات، وسط تقديرات تشير إلى وجود شهداء لم تُكشف هوياتهم نتيجة سياسة الإخفاء القسري.
وبحسب نادي الأسير الفلسطيني، تجاوز عدد الأسرى 10 آلاف معتقل حتى مطلع الشهر الجاري، بينهم 400 طفل و30 أسيرة، فيما لا يزال عدد أسرى قطاع غزة مجهولًا في ظل التعتيم الكامل الذي تفرضه سلطات الاحتلال.
أداة قتل صامتة
وصف رئيس نادي الأسير قدورة فارس، في حديثه لـ "فلسطين أون لاين"، السياسات التي تنتهجها إدارة سجون الاحتلال بحق الأسرى الفلسطينيين بأنها "سياسة موت بطيء تُمارَس بدم بارد وعلى مرأى ومسمع العالم".
وقال فارس إن ما يجري داخل السجون "لم يعد مجرد انتهاكات معزولة، بل منظومة عقاب جماعي متكاملة تهدف إلى كسر الإنسان الفلسطيني جسديًا ونفسيًا، وتحويل السجن إلى أداة قتل صامتة"، مؤكدًا أن إدارة السجون صعّدت منذ شهور إجراءاتها القمعية بشكل غير مسبوق، مستفيدةً من حالة الصمت الدولي والانشغال العالمي.
رئيس نادي الأسير، فارس قدورة
وأضاف: "الأسرى يتعرضون لأبشع أشكال التعذيب الجسدي والنفسي، من الضرب المبرح، والشبح لساعات طويلة، والحرمان من النوم، إلى العزل الانفرادي لفترات مفتوحة، إضافةً إلى سياسة التجويع الممنهجة وتقليص الوجبات، ومنع إدخال الملابس والأغطية، وحرمانهم من أبسط مقومات الحياة الإنسانية".
وسلّط فارس الضوء على ملف الإهمال الطبي، واصفًا إياه بأنه "جريمة متعمدة وليست تقصيرًا"، مضيفًا: "إدارة السجون تتعامل مع المرض كسلاحٍ إضافي؛ تترك الأسير ينزف ويذوي دون علاج، وتمنع تحويله إلى المستشفيات إلا في الحالات الحرجة جدًا، وكأنها تنتظر الموت ليحسم الأمر".
وفي هذا السياق، شدّد على خطورة وضع 26 أسيرًا فلسطينيًا مصابًا بالسرطان، مؤكدًا أن حياتهم "معلّقة على حافة الموت"، وأضاف: "هؤلاء الأسرى يُحرمون من العلاج الكيماوي والإشعاعي والفحوصات الدورية، وبعضهم لا يُمنح حتى المسكنات، في انتهاكٍ صارخ لكل القوانين الدولية والإنسانية، ووفق سياسة إعدامٍ بطيء لا تخطئها العين".
اقرأ أيضًا: عدالة: كنيست الاحتلال يسرّع إقرار قانون "إعدام الأسرى"
وانتقد فارس بشدة الصمت الدولي، معتبرًا إياه "تواطؤًا أخلاقيًا وسياسيًا"، وقال: "العالم الذي يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان يغضّ الطرف عن جرائم موثقة تُرتكب يوميًا داخل السجون الإسرائيلية. هذا الصمت شجّع الاحتلال على التمادي، ومنحه ضوءًا أخضر لمزيد من التنكيل والقتل البطيء".
وحمّل المجتمع الدولي ومؤسسات حقوق الإنسان والدول الموقعة على اتفاقيات جنيف المسؤولية الكاملة عمّا يتعرض له الأسرى الفلسطينيون، مضيفًا: "الصمت لم يعد حيادًا، بل مشاركة في الجريمة. والأسرى لن يُتركوا وحدهم؛ فهذه معركة كرامة ووجود، ولن تنكسر إرادتهم مهما اشتدّت آلة القمع".
جريمة علنية
بدوره، أدان محامي هيئة شؤون الأسرى والمحررين خالد محاجنة سياسة الموت البطيء الممنهجة التي تنتهجها إدارة سجون الاحتلال بحق الأسرى الفلسطينيين، مؤكدًا أن ما يجري داخل السجون "جريمة مستمرة تُرتكب على مرأى ومسمع العالم دون أي مساءلة".
وقال محاجنة لـ "فلسطين أون لاين": "إدارة سجون الاحتلال لا تكتفي بسلب الأسرى حريتهم، بل تسعى بشكلٍ ممنهج إلى استنزاف أجسادهم وإنهاك أرواحهم حتى الموت، عبر سياسة واضحة المعالم قوامها التعذيب والتجويع والإهمال الطبي المتعمد والعزل الانفرادي الطويل، في انتهاكٍ فاضح لكل القوانين والمواثيق الدولية".
محامي هيئة شؤون الأسرى والمحررين، خالد محاجنة
وأضاف أن السجون تحولت إلى "بيئة عقابية قاتلة" تُمارَس فيها أشكال متعددة من المعاناة اليومية، موضحًا أن "الأسرى يتعرضون لتعذيبٍ نفسي وجسدي قاسٍ، من الضرب والإهانات والحرمان من النوم إلى العزل الانفرادي لفترات طويلة، فضلًا عن سياسة التجويع التي باتت أداة عقاب جماعي تُستخدم لكسر إرادتهم وتحطيم صحتهم".
وعن مرضى السرطان داخل السجون، قال: "نحن أمام جريمة مركبة بحق أسرى السرطان؛ حيث يُتركون فريسة للألم دون علاج، وتُسحب منهم أبسط حقوقهم الطبية، وكأن المرض أصبح وسيلة إضافية للعقاب. الاحتلال يعاقب الأسير على مرضه بدل أن يوفر له العلاج، في سلوكٍ لا يمكن وصفه إلا بأنه قتل بطيء ومقصود".
اقرأ أيضًا: بين السُّجون والمشانق.. تحذير أمميّ من قانون إسرائيليّ يشرعن إعدام الأسرى
وأوضح أن إدارة السجون تتعمد المماطلة في تقديم العلاج، ورفض تحويل الحالات الخطيرة إلى المستشفيات، ومنع إدخال الأدوية، ما يؤدي إلى تدهورٍ خطير في الأوضاع الصحية ويفضي، في كثير من الحالات، إلى الإعاقة الدائمة أو الوفاة.
وشدّد محاجنة على أن إنقاذ حياة الأسرى "لم يعد يحتمل التأجيل"، مؤكدًا أن المطلوب تحركٌ فوري لفضح ممارسات الاحتلال ومحاسبته على جرائمه، وضمان حق الأسرى في العلاج والحياة الكريمة كما نصّت عليه الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف.