يعاني سكان حيّ الزيتون في مدينة غزة، منذ عدة أيام، ظروفًا حياتية صعبة مع استمرار القصف الإسرائيلي وإطلاق النار العشوائي من الطائرات المسيّرة و"الكواد كابتر"، ما أدى إلى استشهاد مواطنين اثنين خلال يومين فقط.
ووسط حالة من الرعب والخوف، دُفعت العديد من العائلات إلى النزوح من منازلها للمرة الثانية أو الثالثة خلال أقل من أسبوع. وبالرغم من الحديث عن اتفاق وقف إطلاق النار وبدء مرحلته الثانية، فإن الوقائع على الأرض تؤكد عدم التزام قوات الاحتلال ببنوده، بل مواصلة استهداف المدنيين وممتلكاتهم، لتبقى حياة السكان معلّقة بين الخوف والصمود.
طالع أيضًا: خروقات الاحتلال تعرقل عودة سكان حي الزيتون إلى بيوتهم
ومنذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار الأخير بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، والذي نصّ في مرحلته الثانية على انسحاب قوات الاحتلال إلى ما وراء الخط الأصفر، والسماح للمواطنين وأصحاب الأراضي بالعودة إلى مناطقهم السكنية والزراعية، كان سكان حيّ الزيتون يأملون عودة الحياة إلى طبيعتها. غير أن هذا الأمل تبخّر سريعًا، مع تكرار الانتهاكات اليومية من قِبل الاحتلال؛ إذ لم تتوقف الطائرات المسيّرة عن التحليق في سماء الحي، مطلقةً أصواتًا مرعبة، وتُطلق أحيانًا نيرانها باتجاه المنازل والشوارع الخالية.
شهادات من الميدان
يقول ناصر عاشور، أحد سكان الحي: "لم نعد نعرف طعم الأمان. كل ساعة نسمع أصوات الطائرات فوق رؤوسنا، وأحيانًا تُطلق نيرانها فجأة دون سبب. قبل يومين وصلت رصاصات إلى جدار منزلي، واخترقت إحداها نافذة إحدى الغرف".
ويضيف لصحيفة "فلسطين": "كان صراخ أبناء ابني الشهيد لا يُحتمل. لم أتمكن إلا من أخذهم والهروب إلى بيت أحد الأقارب في حيّ آخر"، لافتًا إلى أنه في كل مرة يخرج من منزله يكون لديه أمل بالعودة، لكن القصف لا ينتهي، وكذلك النزوح.
ويردف: "تعبنا من النزوح المتكرر. في كل مرة نغادر بيتنا على أمل العودة، لكن القصف لا يتوقف. يقولون إن هناك وقفًا لإطلاق النار، لكن ما يجري على الأرض مختلف تمامًا".
ويشير عاشور إلى أن العديد من العائلات في منطقته عند مفترق دولة اضطرت إلى المغادرة بعد تعرض منازلها لإطلاق نار متكرر، موضحًا أن الرعب ينتشر بين الناس حتى من مجرد صوت الطائرة، لأنهم يعلمون أن الرصاص قد يسقط في أي لحظة من السماء.
طالع أيضًا: أحمد الهواري... ناجٍ يروي تفاصيل 23 يومًا تحت الركام في حي الزيتون
من جانبه، يروي أبو جهاد شرير ما تعرض له منزله في الأيام الأخيرة قائلًا: "في ساعات المساء سمعنا أصوات إطلاق نار كثيفة من جهة الشرق، وفجأة سمعنا صوت ارتطام قوي على سطح المنزل. اتضح لاحقًا أنها شظايا قذيفة مدفعية أطلقتها الدبابات الإسرائيلية، رغم أنها تبعد عنا أكثر من كيلومتر".

ويتابع لـ"فلسطين": "لحظة الانفجار كانت مخيفة. زوجتي فقدت الوعي من شدة الصدمة، وأطفالي ركضوا نحو الباب يطلبون الخروج من البيت. لم أكن أتخيل أن الشظايا يمكن أن تصل إلى هنا، لكن الاحتلال يريد إرهابنا ودفعنا إلى الرحيل. ومع ذلك نحن باقون، ولن نترك بيوتنا مهما حدث".
ويؤكد أن أحد جيرانه أُصيب بجروح طفيفة نتيجة تطاير الزجاج بعد انفجار قريب، مشيرًا إلى أن "قوات الاحتلال تتعمد استهداف المناطق المأهولة لإجبار الناس على النزوح الجماعي، في خرق واضح لكل الاتفاقات الإنسانية والدولية".
تكرار مأساة النزوح
لم يكن ناصر عاشور أو أبو جهاد شرير وحدهما من عانوا هذه الهجمات، بل تعيش عشرات العائلات في حيّ الزيتون الظروف ذاتها. ويقول أبو العبد عويضة إن "المشاهد تتكرر كما في الحروب السابقة؛ الناس تهرب في الظلام، تحمل ما استطاعت من أشياء بسيطة، وتتجه إلى مدارس أو بيوت أقارب بحثًا عن مأوى مؤقت".
ويلفت في حديث لـ"فلسطين" إلى أنه اضطر، مع عشرات الأفراد، إلى الخروج من المنطقة التي عادوا إليها بعد اتفاق وقف إطلاق النار، خاصة القاطنين قرب المناطق الشرقية المحاذية لخطوط التماس، عقب تزايد إطلاق النار العشوائي.
ورغم مرور أسابيع على إعلان اتفاق وقف إطلاق النار، يواصل الاحتلال الإسرائيلي خروقاته اليومية في أكثر من منطقة داخل قطاع غزة، بما فيها حيّ الزيتون، ما يعكس تلكؤًا واضحًا في تنفيذ بنود الاتفاق.

وتنص المرحلة الثانية على انسحاب القوات إلى ما وراء الخط الأصفر، وهو ما لم يُنفَّذ فعليًا حتى الآن، كما لم يُسمح للعديد من الأهالي بالعودة إلى أراضيهم الزراعية ومنازلهم بذريعة "الأوضاع الأمنية".
ورغم ما يعانيه السكان من انتهاكات ورعب ونزوح متكرر، لا تزال روح الصمود حاضرة بين أبناء الحي؛ فالعائلات التي غادرت منازلها تواصل متابعة أخبار أحيائها، ويحاول بعضها العودة خلال فترات الهدوء المؤقتة لتفقد ممتلكاته.
ويُعد حيّ الزيتون من أكبر الأحياء السكنية في مدينة غزة وأكثرها اكتظاظًا بالسكان، ما يجعل أي استهداف فيه عرضةً لإصابة المدنيين العزّل. وقد شهد الحي خلال الأسابيع الماضية تصاعدًا ملحوظًا في وتيرة إطلاق النار والقصف المدفعي الذي طال منازل مأهولة، رغم بُعدها عن خطوط التماس المباشر.

