في حيّ الشيخ رضوان شمال غربي مدينة غزة، لا تزال لحظة الوداع مؤجلة منذ أكثر من عامين.
هناك، يقف الستيني محمد أبو ندى أمام أنقاض منزله، مترقبًا أن تعيد حفنة ترابٍ أخيرة شيئًا من السكينة إلى قلبٍ أنهكه الانتظار، بعد أن بقي ستة من أفراد عائلته تحت الركام منذ قصف البيت في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
قرب حفرةٍ عميقة تشقّ الأنقاض، تعمل آلية باجر قديمة بصوتٍ متقطّع، في حين ينتشر أفراد الدفاع المدني بأدواتٍ يدوية بسيطة، ينقّبون بحذرٍ شديد بحثًا عن جثامين ورفات الشهداء.
المشهد يبدو كأن الزمن توقّف عند تلك الليلة التي تحوّل فيها المنزل العامر إلى كتلةٍ من الإسمنت والغبار.
يستعيد أبو ندى تفاصيل القصف بصوتٍ يختلط فيه الصبر بالوجع، قائلًا إن منزلهم استُهدف عند التاسعة من مساء الرابع والعشرين من أكتوبر 2023، ولم تتمكن العائلة في اليوم التالي سوى من انتشال جثمان ابنه فادي وأحد أقاربهم، في حين بقي الآخرون تحت الركام حتى اليوم.

عناصر للدفاع المدني تقوم بإحدى مهامها في غزة (تصوير: جمال غيث)
ويضيف لـ "فلسطين أون لاين": “ثمانية من عائلتي استشهدوا، ولا يزال ستة منهم هنا… كل ما نريده أن ندفنهم بكرامة، فإكرام الميت دفنه”.
تعطّلت محاولات الانتشال طوال الشهور الماضية بسبب خطورة الموقع، وشدة الدمار، وغياب المعدات الثقيلة، إضافة إلى صعوبة وصول طواقم الإنقاذ في ظل القصف المتواصل وشحّ الإمكانيات.
وبعينين دامعتين، يعدد أسماء الشهداء الذين ما زالوا تحت الأنقاض: شقيقه خليل (65 عامًا)، وأحمد (60 عامًا)، وأبناؤهم كريم (20 عامًا)، ومحمود (28 عامًا)، ومؤمن (19 عامًا)، إلى جانب هبة (24 عامًا) وشروق (25 عامًا).
ويتساءل بحرقة عن جدوى الحديث عن “مناطق آمنة”، مؤكدًا أن قصف منزلهم كان جزءًا من سياسة تهجير قسري دفعت السكان نحو جنوب القطاع، قبل أن تمتدّ الغارات إلى تلك المناطق أيضًا وتحصد آلاف الضحايا.
إمكانيات محدودة أمام كارثة واسعة
من جانبه، يوضح مدير الطواقم الميدانية في الدفاع المدني بمحافظة غزة، إبراهيم أبو الريش، أن الطواقم بدأت منذ صباح أمس العمل على انتشال رفات الشهداء الستة، لكن بإمكانات بدائية ومعدات متهالكة، وفي موقعٍ شديد الخطورة.
ويقول إن بعض الآليات متوقفة بالكامل بسبب نفاد الوقود، فيما يضطر عناصر الدفاع المدني أحيانًا للعمل بأيديهم العارية أو بأدواتٍ يدوية بسيطة، معرضين حياتهم للخطر.

عناصر للدفاع المدني تقوم بإحدى مهامها في غزة (تصوير: جمال غيث)
ويناشد أبو الريش الجهات الإنسانية والدولية التدخل العاجل لتوفير الوقود والمعدات اللازمة، حتى تتمكن الطواقم من أداء واجبها الإنساني في انتشال الضحايا من تحت الأنقاض.
ولا تقتصر المأساة على منزل عائلة أبو ندى؛ إذ تشير إحصاءات الدفاع المدني إلى بقاء أكثر من تسعة آلاف شهيد تحت ركام المنازل المدمرة في قطاع غزة، في صورة تختزل حجم الكارثة الإنسانية التي خلّفتها الحرب.
العودة إلى الحكاية الأولى
ومع استمرار محاولات الباجر العجوز رفع الحجارة الثقيلة ببطء، يبقى محمد أبو ندى واقفًا في المكان ذاته، يراقب كل حركةٍ وكأنها تقرّبه خطوةً من وداعٍ طال انتظاره.
لا يطلب الرجل أكثر من حقٍ بسيط: أن يُنتشل أحبّته من تحت الركام، وأن يُوارَوا الثرى بكرامة في أرضٍ عاشت طويلًا على الصبر… وما زالت.

