في أعماق الصراع الاستعماري الذي يجثم على صدر فلسطين تكشف الجرائم الإسرائيلية عن وجهها الأكثر بشاعة حيث يتجاوز الاحتلال حدود القتل والتدمير ليصل إلى انتهاك قدسية الجسد البشري نفسه إن سرقة الأعضاء من جثامين الشهداء الفلسطينيين ليست مجرد حادثة عرضية بل هي جزء من استراتيجية ممنهجة تندرج تحت مظلة الإبادة الجماعية والاستعمار الاستيطاني. هذه الجريمة التي أصبحت إسرائيل من خلالها المتبرع الأول بالأعضاء على مستوى العالم تكشف عن تحالف مريب بين المؤسسات الطبية والعسكرية مدعوماً بغطاء سياسي يتحدى كل المواثيق الدولية.
وفقاً لتقارير منظمة المرصد الأوروبي المتوسطي لحقوق الإنسان فإن الأطباء في غزة اكتشفوا علامات واضحة على سرقة الأعضاء من الجثامين المعادة بما في ذلك فقدان الكلى والقرنيات والكبد والجلد مما يؤكد نمطاً ممنهجاً للانتهاك.
يعود تاريخ هذه الجرائم إلى عقود مضت حيث اعترفت إسرائيل رسمياً في عام 2009 بأن أطباءها كانوا يحصدون الأعضاء من جثامين الفلسطينيين دون إذن عائلاتهم كشفت تحقيقات إعلامية مثل تلك المنشورة في صحيفة أفتونبلادت السويدية عن تورط معهد أبو كبير الطبي الشرعي في هذه الممارسات حيث أقر الدكتور يهودا هيس مدير المعهد بأخذ أنسجة وأعضاء من فلسطينيين قتلوا في عمليات عسكرية هذا الاعتراف لم يكن عفوياً بل جاء بعد ضغوط دولية ومع ذلك لم يؤد إلى محاسبة حقيقية بل إلى استمرار السياسة تحت ستار البحث الطبي.
وفقاً للتقارير فإن هذه الأعضاء كانت تستخدم لعلاج الجنود الإسرائيليين أو لبيعها في سوق سوداء دولية مما يجعل الاحتلال شريكاً في تجارة غير مشروعة تتنافى مع اتفاقية جنيف الرابعة التي تحمي الجثامين في مناطق النزاع.
في السياق الحالي خاصة بعد العدوان الإسرائيلي على غزة منذ أكتوبر 2023 تكررت الشهادات المروعة أفادت وزارة الصحة في غزة بأن إسرائيل أعادت مئات الجثامين المشوهة بعضها بدون رؤوس أو أطراف وبعضها محشو بالقطن مكان الأعضاء الداخلية المفقودة شهدت عائلات مئات الشهداء مثل عائلة بلال أحمد غانم الذي قتل عام 1992 أن أجساد أبنائهم عادت ناقصة الكلى والقرنيات والجلد تقرير من موقع موندوايس الإخباري يوثق إعادة 89 جثة في حاوية شحن عام 2024 معظمها متحلل وغير قابل للتعرف مما يشير إلى سرقة ممنهجة للأعضاء قبل الدفن الجماعي قرب مستشفى ناصر.
كما أكد تقرير المرصد الأوروبي المتوسطي أن الأطباء وجدوا آثاراً لسرقة الآذان الداخلية القوقعة والقرنيات بالإضافة إلى الكبد والكلى والقلوب في جثامين أعادها الاحتلال بعد احتجازها في معسكرات مثل سدي تيمان
هذا النمط ليس مصادفة بل يعكس تحول إسرائيل إلى المتبرع الأول بالأعضاء كما يُروج لها في التقارير الدولية.
وفقاً لمنظمة الصحة العالمية ارتفع معدل التبرع بالأعضاء في إسرائيل بشكل ملحوظ لكن هذا الارتفاع يثير تساؤلات حوله كتاب" على أجسادهم الميتة" للأنثروبولوجية الإسرائيلية ميرا فايس يكشف عن استخدام أعضاء فلسطينيين في بحوث طبية وزرعها في مرضى إسرائيليين مما يجعل الاحتلال نظاماً استعمارياً يستغل حتى الموتى لتعزيز هيمنته هذه الممارسات تندرج تحت مفهوم سياسات الموت أي سياسة الموت التي يمارسها الاستعمار للسيطرة على الحياة والموت كما وصفها الفيلسوف أشيل مبيمبي في الوقت نفسه تنفي إسرائيل هذه الاتهامات مدعية أنها كانت أخطاء في معهد واحد توقفت عام 2010 لكن الشهادات الجديدة من غزة تكذب ذلك.
وفي سياق هذه الجريمة يأتي تحليل المصادر الإعلامية والصحية ليؤكد هذه الجريمة كجزء من استراتيجية الإبادة تقارير من قناة تي آر تي ورلد ووكالة الأناضول للأنباء توثق إعادة 120 جثة عام 2025 معظمها تحمل آثار تعذيب وسرقة أعضاء بما في ذلك عيون مفقودة وقرنيات مسروقة كما أفادت منشورات على منصة إكس من أطباء مثل الجراح الفلسطيني غسان أبو ستة الذي رأى صوراً لجثامين فلسطينية ناقصة القلوب والرئتين والكلى مؤكداً أنها علامات على حصاد أعضاء ممنهج هذه الشهادات مدعومة بتقارير من شبكة قدس الإخبارية تكشف عن تورط الجيش الإسرائيلي في نقل الجثامين إلى مراكز طبية قبل إعادتها.
في مواجهة هذه الجرائم يجب على المجتمع الدولي تشكيل لجنة تحقيق مستقلة تحت مظلة الأمم المتحدة لكشف هذا الانتهاك الذي يمس جوهر الإنسانية إن صمت العالم أمام مثل هذه الوحشية يعزز من هيمنة الاستعمار الاستيطاني ويجعل كل شهيد فلسطيني ضحية مرتين مرة بالقتل ومرة بالسرقة فلسطين أرض الشهداء تستحق عدالة تتجاوز الشعارات إلى المحاسبة الحقيقية.

