فلسطين أون لاين

تقرير حين تُقصف محاولة الحياة في غزة

...
رجل يجلس قرب خيمته فوق دمار منزله الذي قصفه الاحتلال خلال الإبادة الجماعية بغزة
غزة/ مريم الشوبكي

لم تعد عودة الغزيين إلى أحيائهم المدمّرة فعلًا عاديًا لاستعادة بيت أو ذاكرة، بل مغامرة مفتوحة على الخطر، تختبر قدرة الإنسان على التشبث بالحياة تحت نارٍ لم تخمد.

فمع كل محاولة للعودة بعد وقف إطلاق النار، يتقدّم القصف خطوة أخرى، كأن الاستقرار نفسه بات هدفًا مباشرًا، وكأن السؤال لم يعد متى تنتهي الحرب، بل: هل يُسمح للحياة أن تبدأ أصلًا؟

في أكثر من منطقة، لم تفصل سوى ساعات أو أيام بين رجوع العائلات إلى بيوت متضرّرة وبين قصفٍ جديد طال محيطها، في نمط يراه سكان محاولة لإبقاء المدنيين داخل دائرة الخوف والنزوح المتكرر، ومنع أي إحساس بالاستقرار.

في حيّ التفاح شرق مدينة غزة، تحاول أم محمد الشرفا أن تعيد تعريف معنى "البيت".

لم يبقَ من منزلها سوى أعمدة إسمنتية في الطابق الثالث، لفّتها بشوادر بلاستيكية لتصنع مساحة تؤوي زوجها وأطفالها الأربعة.

عادت بعد شهرين من إعلان وقف إطلاق النار، متردّدة، مثقلة بالقلق. كانت كل ليلة تبدأ بصوت رصاص أو قصف متقطّع، فيما تتحرّك آليات الاحتلال على مقربة من المكان.

تقول: "حين يبدأ القصف، أحمل حقائبنا الجاهزة وأهرب بأطفالي إلى غرب المدينة. نبقى يومين أو ثلاثة ثم نعود".

لكن صاروخًا سقط على منزل الجيران، محوّلًا المكان إلى كرة نار.

"لم أفهم ما حدث… حملت الحقائب وغادرت فورًا"، تضيف، مؤكدة أنها لم تعد منذ أسبوعين.

في جباليا شمال القطاع، تعيش أمل عوض (55 عامًا) على بُعد أمتار من "الخط الأصفر".

بيتُها متضرّر جزئيًا، وقد تأخّرت في العودة، بعدما شهد أقاربها اقتحامات وتهديدات وقصفًا مباشرًا وتقدّمًا للآليات.

ورغم ذلك، قرّرت الرجوع. تقول: "أردت الاستقرار… لكن ليلنا لا يهدأ. طائرات الكواد كابتر لا تغادر السماء، والقصف متواصل".

قبل يومين، وأثناء إعداد القهوة مساءً، اقتربت طائرة صغيرة من وجهها مباشرة.

"الرعب شلّني… لكنني تماسكت. لن أترك البيت. النزوح دمّرني نفسيًا وماليًا".

أما ريهام حجي، من حي الزيتون قرب الخط الأصفر، فتختصر التجربة بعبارة واحدة:

وتضيف: "كل محاولة للعيش طبيعيًا تُقابل بالقصف. يريدوننا منهكين نفكّر بالهرب لا بالاستقرار".

في تحليل سياسي عُرض عبر قناة الجزيرة، شكّك الكاتب والمحلل أنطوان شلحت يزبك في الرواية الإسرائيلية حول إصابة ضابط، مشيرًا إلى غياب اسمه أيامًا عن الإعلام، وهو ما اعتبره مؤشرًا على احتمال توظيف الحادثة لتبرير التصعيد.

انطوان-شلحت.jpg

الكاتب والمحلل أنطوان شلحت

ويرى أن التصعيد يتزامن مع نقاش داخلي إسرائيلي متزايد حول جدوى الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين، في ظل خسائر بشرية كبيرة وضغط سياسي متصاعد على حكومة بنيامين نتنياهو.

وبحسب تقديره، فإن أحد دوافع التصعيد يتمثّل في القلق من مظاهر عودة الحياة داخل غزة—كحفلات الزفاف وافتتاح المطاعم والأنشطة الاجتماعية المحدودة—إذ تسعى إسرائيل، وفق هذا الطرح، إلى إعادة تكريس واقع الحرب الدائمة ومنع أي شعور بالاستقرار.

تشير بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى تدمير أو تضرّر أكثر من 70% من الوحدات السكنية منذ بدء الحرب، مع نزوح يتجاوز 1.9 مليون شخص، كثير منهم نزح مرات متعددة.

اقرأ أيضًا: الإعلامي الحكومي بغزة: 1,520 خرقًا إسرائيليًا لوقف إطلاق النار خلّف 556 شهيدًا

كما جرى توثيق مئات خروقات وقف إطلاق النار، إلى جانب تدمير واسع للبنية التحتية المدنية من مياه وكهرباء ومدارس ومرافق صحية، ما يجعل أي محاولة للاستقرار محفوفة بالمخاطر حتى في فترات التهدئة.

في شهادة سابقة، روت صباح الرقب تفاصيل احتجازها أثناء عودتها عبر معبر رفح.

"أوقفونا عند نقطة تفتيش، ونادوا أسماءنا عبر مكبّر الصوت، ثم سألونا أين سنسكن… وقالوا: لا تعودوا، هذا ليس مكانًا آمنًا".

ورغم التحذير، تمسّكت بالرجوع، في صورة تختصر إصرارًا واسعًا بين الغزيين على البقاء مهما اشتدّ الضغط.

تكشف هذه الشهادات المتشابهة في الألم مسارًا واحدًا في غزة: لا يُستهدف السلاح وحده، بل تُستهدف الحياة حين تحاول أن تعود.

كل عودة قد تنتهي بنزوح جديد، وكل محاولة للاستقرار تتحوّل إلى مواجهة مع الخوف.

ومع ذلك، ورغم القصف والتهديد، تبقى الحياة في غزة مؤجّلة… لكنها لم تُهزم.

 

المصدر / فلسطين أون لاين