في غزة، حيث يعاني السكان آثار حرب مدمرة استمرت أكثر من عامين، يعلق آلاف المرضى والجرحى آمالهم على فتح معبر رفح الحدودي مع مصر. هذا المعبر، الذي يُعد البوابة الرئيسة لغزة إلى العالم الخارجي، شهد إغلاقًا طويلًا منذ مايو 2024، عندما سيطر الجيش الإسرائيلي عليه، ما منع خروج آلاف المحتاجين للعلاج الطبي المتخصص.
ومع إعادة فتحه الجزئي في 2 فبراير 2026، كجزء من اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، بدأت قصص الأمل واليأس تتكشف من جديد.
طالع أيضًا: فتح شكليّ لمعبر رفح... مرضى وجرحى غزَّة في مواجهة الموت
فاطمة العويني تروي حكاية والدتها، اعتدال العويني (61 عامًا) من خان يونس، التي أصيبت بجلطة دماغية في ديسمبر 2023، في وقت لم تكن المستشفيات عاملة ولا الأدوية متوافرة.
لم تتلقَ اعتدال أي علاج طبي متخصص، وتحسنت جزئيًا فقط، قبل أن تبدأ رحلة علاج طبيعي متقطعة انتهت بقدرتها على المشي باستخدام عكاز.

مرضى غزة في قائمة انتظار يتلاعب بها الاحتلال الإسرائيلي (صورة من الأرشيف)
تحسن مؤقت
سقوط مفاجئ أنهى ما تبقى من الأمل، إذ أُصيبت بكسر في الحوض، وباتت بحاجة إلى تغيير مفصل حوض كامل في مارس 2024، وهي عملية غير متووافرة اخل غزة.
تقول العويني لصحيفة "فلسطين": "عشنا صعوبات كبيرة، لا مستشفيات، لا علاج طبيعي… وكل فترة بننزح من مكان لمكان، ما في استقرار، وهذا خلا حالتها تسوء".
التنقل القسري، وانقطاع العلاج الطبيعي، وعدم القدرة على إجراء العملية اللازمة، جعل حالة اعتدال الصحية تتدهور، خصوصًا مع تقدمها في العمر، حيث يؤكد الأطباء أن كل يوم تأخير يقلل فرص التحسن.
طالع أيضًا: الانتظار يقتل مرضى غزَّة... وآليَّة السَّفر "حكم بالإعدام البطيء"
تحويلة بلا موعد
رغم إدراج اعتدال العويني رسميًا ضمن قوائم وزارة الصحة الفلسطينية للتحويلات الطبية للعلاج في الخارج، لم تتلقَ العائلة أي اتصال جدي بخصوص السفر.
وتوضح فاطمة أن الاستفسارات المتكررة لم تثمر، وأن معبر كرم أبو سالم كان مخصصًا سابقًا للأطفال المرضى فقط، فيما بقي كبار السن والبالغون رهائن انتظار فتح معبر رفح.
وتضيف: "عدد الذين معهم تحويلات طبية قرابة 25 ألف مريض، حتى لو فتح المعبر بطريقة مقننة، بدها سنين لنسافر".
منذ قرابة عامين، لم تغادر اعتدال فراشها، ولم تتحرك إلا عبر سيارات النزوح، في مشاوير تصفها ابنتها بأنها "الطلعات الوحيدة" في هذه الفترة.
طفولة على المحاليل
في مستشفى الرنتيسي بمدينة غزة، تقضي أم الطفل أمين إسليم (ستة أشهر) أيامها بين غرف الفحص والتحاليل.
منذ يومه الأول، ظهرت على أمين أعراض سخونة شديدة مترافقة مع نوبات تشنج متكررة، تستمر قرابة أسبوع، ثم تهدأ لتعود من جديد.
في البداية، شُخصت حالته على أنها حمى شوكية، لكن الفحوصات المخبرية لم تثبت ذلك. تنقلت والدته بين عدة مستشفيات دون الوصول إلى تشخيص واضح، حتى استقر بهما الحال في مستشفى الرنتيسي بحي النصر.
تقول والدته لـ"فلسطين": "زرت أكثر من طبيب، طلبوا تحاليل كثيرة، كلها كانت سليمة… وبعد أن عجزوا عن تشخيصه، أقروا له تحويلة علاج للخارج".

مرضى غزة في قائمة انتظار يتلاعب بها الاحتلال الإسرائيلي (صورة من الأرشيف)
أمل معلق
أغلب وقته قضاه في المستشفى، يتغذى في كثير من الأحيان على المحاليل الوريدية، رافضًا الحليب الصناعي، دون أي مؤشرات طبيعية على النمو.
توضح والدته أن حالته الصحية لم يطرأ عليها أي تحسن، وأن فتح معبر رفح وحده كفيل بتجديد الأمل بخروجه للعلاج، بعدما بات العلاج داخل غزة عاجزًا عن تقديم أي حل.
آمال تايه، من مخيم جباليا شمال قطاع غزة، تطلق نداء استغاثة طالبة فيه من الجهات المعنية الإسراع في فتح معبر رفح لإنقاذ حياتها.
آمال، في منتصف الستينات، تعاني مرض السرطان، وكانت قد بدأت رحلة علاجها قبل الحرب، إلا أن التصعيد وإغلاق المعابر أوقفا جلسات العلاج بشكل كامل.

مرضى غزة في قائمة انتظار يتلاعب بها الاحتلال الإسرائيلي (صورة من الأرشيف)
خضعت آمال لعدد محدود من جلسات العلاج الكيماوي داخل غزة، قبل أن تتوقف بسبب نفاد الأدوية، وتضرر المستشفيات، وخروج عدد من المراكز التخصصية عن الخدمة.
تقول آمال لـ"فلسطين": "مع مرور الوقت، بدأت حالتي الصحية بالتدهور، وظهرت عليَّ مضاعفات واضحة، أبرزها فقدان الوزن الحاد والإجهاد المستمر وعدم القدرة على الحركة لمسافات قصيرة".
وأكد أطباء داخل القطاع لأسرتها أن استمرار علاجها محليًا لم يعد ممكنًا، وأنها بحاجة عاجلة لاستكمال بروتوكول العلاج في الخارج، لتُمنح تحويلة طبية رسمية وتنضم إلى قائمة الانتظار الطويلة للسفر عبر معبر رفح.
وتضيف: "مش طالبة غير فرصة علاج… كل يوم تأخير يعني تدهور الحالة الصحية، وأملي الوحيد معلق بالسفر".
منذ أشهر، تعيش آمال حالة نفسية قاسية، بين الخوف من تقدم المرض، وانتظار اتصال قد لا يأتي.
تاريخ الإغلاقات
شهد معبر رفح تاريخًا من الإغلاقات المتكررة منذ 2007، عندما سيطرت حماس على غزة، مما أدى إلى قيود مصرية وإسرائيلية. في مايو 2024، سيطر الجيش الإسرائيلي على الجانب الفلسطيني من المعبر خلال الحرب، مما أدى إلى إغلاقه الكامل تقريبًا، باستثناء فترات قصيرة خلال هدن مؤقتة في يناير 2025.
كان المعبر الطريق الرئيسي لدخول المساعدات الإنسانية وخروج المرضى، لكنه أصبح رمزًا للحصار بعد السيطرة الإسرائيلية.

في 2 فبراير 2026، أعيد فتح المعبر جزئيًا للمشاة فقط، كجزء من المرحلة الثانية لخطة وقف إطلاق النار التي توسطت فيها الولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس ترامب.
ومع ذلك، كان الفتح محدودًا: في اليوم الأول، خرج 5 مرضى فقط للعلاج، ودخل 12 فلسطينيًا عائدين إلى غزة، رغم وعود إسرائيلية بـ50 شخصًا في كل اتجاه يوميًا.
يشرف على المعبر بعثة مساعدة الحدود الأوروبية (EUBAM) مع وجود فلسطيني محدود، وتخضع العبور لفحوصات أمنية إسرائيلية ومصرية صارمة.
آلاف ينتظرون الموت
وفقًا لوزارة الصحة في غزة، ينتظر حوالي 20,000 إلى 22,000 مريض وجريح الإجلاء الطبي العاجل خارج القطاع، بما في ذلك 4,000 طفل.
منذ أكتوبر 2023، تم إجلاء أكثر من 10,700 مريض إلى أكثر من 30 دولة، لكن أكثر من 18,500 لا يزالون بحاجة ماسة.
توفي ما لا يقل عن 900 إلى 1,200 مريض أثناء الانتظار، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية (WHO) ومنظمة أطباء بلا حدود (MSF).
مع الحد الأقصى الحالي لـ150 شخصًا يوميًا، قد يستغرق إجلاء 22,000 مريض حوالي 147 يومًا (حوالي 5 أشهر)، بينما قد يستغرق إجلاء الجميع سنوات إذا استمرت وتيرة الإجلاء البطيئة.

