فلسطين أون لاين

#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة

﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ﴾ (العلق: 6-8)


جزيرة إبستين

لقد تكشّف أن القرار العالمي لا يُصنع في قاعات براقة، بل في مستنقعات الرذيلة حيث تُشترى الضمائر وتُكسر القيم. هناك يُفهم معنى السيطرة، وهناك يُقرأ قوله تعالى: ﴿لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ لا كنبوءة بعيدة، بل كمنهج فعل قائم على الابتزاز والإفساد وإخضاع النخب قبل الشعوب.

من قلاع دي ساد إلى جزيرة إبستين، ومن موائد الرومان إلى غرف النخبة المعزولة، يتكرر المشهد ذاته: إنسانٌ استغنى، فطغى؛ شبعٌ يقتل المتعة، وسلطةٌ تطفئ الرحمة، فيبدأ البحث عن النشوة في كسر المحرّم وانتهاك البراءة. الشر هنا ليس انحرافًا فرديًا، بل قانون أبدي لخّصه القرآن قبل أن يولد علم النفس: حين يخلع الإنسان عبودية الله، يرتدي وهم الربوبية، فيحترق… ويُحرق معه العالم.

وفي محرقة غزة، ينكشف عُري النظام الدولي الأعمى، الراعي لطغيان عبدة العجل الأمريكي–الصهيوني، الذين باعوا ضمائرهم لعقيدة الدم والدمار. لكنهم نسوا أن القوة الحقيقية ليست في الحديد والنار، بل في إيمان لا ينكسر، وفي حق لا يُمحى، وفي وحدة تحفظ الإنسان. هناك، حيث الدماء لا تسقط سدى، يعيد أصحاب الأخدود تلاوة ملحمة الحق، ويثبت أبطال غزة أن النصر ليس قتلًا ولا إبادة، بل انتصار للعدل والكرامة.

دماء غزة البريئة فضحت سوءة النظام الدولي الأحادي، وكشفت أن عقيدة القوة المادية وحدها ليست إلا عبادة جديدة للعجل، وأن سحق الأطفال والنساء ليس نصرًا بل جريمة يشاهدها العالم حيًا على الهواء. ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾، والاحتلال شاهد حي على هذه الحقيقة.

لكن القوة في الإسلام ليست ضيقًا ماديًا، بل عقيدة وإيمان وإرادة وأخلاق، هي قوة الوحدة والتلاحم، قوة الساعد والسلاح، قوة الروح والأخلاق والقيم التي تجعل حتى المحرقة فوزًا مبينًا، كما قال تعالى عن أصحاب الأخدود: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾. فالنصر ليس مجرد غلبة عسكرية، بل مشروع قيم مترابط، ينهى عن قتل الطفل والمرأة وقطع الشجر، ويجعل التدافع سنة لحماية الإنسانية كلها، ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.

وهكذا، فإن سنة التداول ماضية، والنظام الدولي الظالم الساقط أخلاقياً إلى زوال. ميلاد النظام الجديد لن يكون بين عشية وضحاها، بل عبر مخاض عسير وآلام قاسية، وفي قلب هذا المخاض تقف فلسطين، شاهدة على أن الأيام دول، وأن الحق لا يموت، وأن الطغيان مهما علا، فإن رجعته إلى الله حتمية، ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾.

المصدر / فلسطين أون لاين