﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ سورة البقرة (آية 144):
ها هي اللحظة التي غيّرت مسار التاريخ، حين ارتفعت وجوه المؤمنين إلى السماء، فجاء الأمر الإلهي بتحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام. لم يكن ذلك مجرد تغيير في اتجاه الصلاة، بل كان إعلانًا ربانيًا أن للأمة جذورًا ضاربة في الأرض المقدسة، وأنها تحمل في قلبها قبلتين، إحداهما قبلة الروح، والأخرى قبلة الجهاد والتحرير.
المسجد الأقصى لم يُغفل، بل ارتفع شأنه ليكون راية الرباط، وميدان الوعد الإلهي الذي لا يتخلف. هو تاج الأمة، وصرخة التاريخ، وموضع الابتلاء والتمكين، حيث تتلاقى دماء الشهداء مع نداء السماء، لتكتب ملحمة لا تنطفئ.
واليوم، في غزة، تتجسد هذه البشارات. هناك، حيث النار والإبادة، ينهض شعب ضعيف في الظاهر، لكنه في جوهره جبلٌ من صمود، يواجه الطغيان بصدور عارية، ويحوّل المحرقة إلى طوفانٍ من العزّة. إنهم يعيشون المرحلة الأولى من وعد الآخرة: {لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ}، حيث يسقط الاحتلال أخلاقيًا وسياسيًا وعسكريًا، وتُفضح وجوه الباطل أمام العالم.
غزة اليوم ليست مجرد مدينة محاصرة، بل هي أسطورة حيّة، شرارة التحرير، وصافرة البداية للملحمة الكبرى. هي التي أعلنت أن وعد الله حق، وأن النهاية المدوية للظلم قادمة لا محالة، وأن المسجد الأقصى سيظل حصن المؤمنين حتى يكتمل التحرير، ويُرفع الأذان في ساحاته محررًا من كل قيد.
إنها ملحمة تتجاوز حدود المكان والزمان، حيث تتلاقى آيات الله مع دماء الأبطال، وحيث يُكتب التاريخ من جديد بمداد العزيمة والإيمان. وما النصر إلا وعدٌ من السماء، وما التحرير إلا قدرٌ محتوم، وما غزة إلا الطوفان الذي سيغرق عرش الظلم، ويُعلن للعالم أن الأمة لا تموت، وأنها باقية حتى يكتمل الوعد ويُرفع اللواء.

