فلسطين أون لاين

إعادة فتح معبر رفح: بداية تآكل المشروع الإسرائيلي في غزة

في ضوء الترتيبات الجارية بشأن قطاع غزة وإعادة فتح معبر رفح بالإتجاهين، يمكن قراءة السلوك الإسرائيلي، وخصوصًا رؤية رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، بوصفه محاولة لإعادة هندسة الواقع السياسي والأمني بما يمنع أي تحوّل استراتيجي غير مرغوب فيه من وجهة نظر تل أبيب. فـ"إسرائيل" لا تنظر إلى المرحلة الثانية من الاتفاق باعتبارها امتدادًا تقنيًا للمرحلة الأولى، بل كمعركة سياسية مركبة على مستقبل غزة ودورها في المعادلة الفلسطينية الشاملة.

ينطلق نتنياهو من هدف أساسي يتمثل في إبقاء لجنة التكنوقراط الفلسطينية ضمن إطار إنساني–إداري–مجتمعي ضيق، دون السماح لها بالتحول إلى كيان سياسي قادر على تمهيد الطريق لعودة السلطة الفلسطينية أو إعادة تموضع حركة حماس في الواجهة الإدارية. كما تخشى "إسرائيل" أن يشكّل أي انتظام إداري مستقر في غزة أرضية لربط القطاع بالضفة الغربية، بما قد يفضي لاحقًا إلى قيام دولة فلسطينية “افتراضية”، حتى وإن كانت منزوعة السيادة الفعلية.

في هذا السياق، تبرز مسألة السلاح باعتبارها العقدة الأشد تعقيدًا في المرحلة الثانية. فـ"إسرائيل| ترى أن نزع سلاح حماس شرط مركزي لأي ترتيبات مستقبلية، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن هذا المسار سيكون طويلًا ومعقدًا، وقد يستغرق أشهرًا أو حتى سنوات، في ظل تعقيدات ميدانية وسياسية وإقليمية تجعل من هذا الهدف أقرب إلى برنامج مفتوح الأمد منه إلى إجراء تنفيذي سريع.

أما فتح معبر رفح، فيُعد مؤشرًا سياسيًا بالغ الدلالة على الانتقال إلى المرحلة الثانية. هذا القرار لم يكن وليد قناعة إسرائيلية خالصة، بل جاء نتيجة ضغط أمريكي مباشر على الحكومة الإسرائيلية. وتزداد حساسية هذا المعطى في ظل العلاقة الخاصة بين نتنياهو وترامب، حيث تشير قراءات إسرائيلية داخلية إلى أن نتنياهو “فوّض” عمليًا ملف غزة للإدارة الأمريكية، خصوصًا بعد الدعم الذي قدمه ترامب له في ملف العفو المرتبط بتحقيقات الفساد. ووفق هذا المنظور، لم يعد نتنياهو اللاعب الرئيسي في غزة، بل بات ترامب هو من يقود ملامح المرحلة الثانية.

صحيح أن "إسرائيل" نجحت إلى حد كبير في تطويع المرحلة الأولى من الاتفاق بما يخدم مصالحها، لكنها تدرك أن تكرار الأمر نفسه في المرحلة الثانية قد يكون أكثر صعوبة. فالبيئة السياسية الدولية، وخصوصًا في ظل إدارة أمريكية غير تقليدية، قد لا تكون مهيأة لتقديم الغطاء الكامل لـ"إسرائيل"، بل قد تُنتج قرارات مفاجئة تُجبر تل أبيب على القبول بترتيبات لا تنسجم مع حساباتها.

يتجلى ذلك بوضوح في ملف معبر رفح، حيث تحاول "إسرائيل" فرض سيطرة فعلية على من يدخل ويخرج، وتسويق الأمر داخليًا على أن المعبر بات خاضعًا لإدارتها ورقابتها بما يخدم روايتها حول تحقيق أهداف ووعود قطعتها للجمهور الإسرائيلي مركزها السيطرة على معبر رفح إدارياً وأمنياً. غير أن اتفاقية 2005 الخاصة بإدارة المعبر، واحتمالات عودة الرقابة الدولية، تثير قلقًا إسرائيليًا لأنها تنزع الذرائع الأمنية التقليدية وتحد من هامش المناورة.

في المقابل، ما تزال قوة الاستقرار الدولية غير مكتملة الجهوزية، ما يضيف عنصرًا آخر من عدم اليقين. كما أن الحضور الدولي، سواء عبر المراقبين أو البعثات الحقوقية، يمثل من منظور "إسرائيل" انتقاصًا من دورها وسيادتها على المعبر، خاصة في ظل التركيز على معايير حقوق الإنسان وحرية الحركة.

إلى جانب ذلك، يبرز العامل المصري المرتبط بالأمن القومي والسيادة ورفض التهجير الفلسطيني، ما يفرض بدوره قيودًا إضافية على أي محاولة إسرائيلية للانفراد بترتيبات رفح. كما أن تغييب مجلس السلام والمجلس التنفيذي في هذه المرحلة، والذي يُنظر إليه كتغييب متعمد من واشنطن، يعكس محاولة لفتح هامش مؤقت للتأثير الإسرائيلي وتخفيف وطأة الضغوط الداخلية.

في المحصلة، تقف "إسرائيل" اليوم عند محطة اختبار حقيقية: في تعاملها مع اللجنة الإدارية الفلسطينية، ومعبر رفح، وطبيعة المرحلة الثانية برمتها. هي تحاول وضع جميع الملفات على الطاولة لتحقيق أكبر قدر من المكاسب، لكنها في الوقت ذاته تصارع للحفاظ على القرار السياسي في غزة بيدها، وسط خشية دائمة من تحوّل الموقف الأمريكي بما يخدم مصالحه الخاصة، حتى وإن جاء ذلك على حساب الرؤية الإسرائيلية.

في الختام، يمكن اعتبار فتح معبر رفح والإنتقال للمرحلة الثانية بداية تآكل المشروع الإسرائيلي في قطاع غزة، لا نهايته، وإشارة إلى أن المرحلة الثانية ستكون ساحة صراع مفتوح على من يملك القرار في غزة، وليس مجرد مسار تنفيذي تقني.

المصدر / فلسطين أون لاين