فلسطين أون لاين

القانون مهنة إنسانية… حين يُجرَّد الإنسان من أساسياته

في الظروف الطبيعية، تُقاس العدالة بعدد القضايا ونوعها، وبمدى تعقيد النصوص القانونية وتداخل المصالح.

أما في واقع ما بعد الحرب، فإن العدالة تُختبَر على نحوٍ مختلف، وأكثر قسوة.

لم تعد أغلب النزاعات اليوم تدور حول شيكات أو عقود أو معاملات تجارية، كما كان الحال قبل الحرب، بل أصبحت تتعلق بخيمة، أو مكان نزوح، أو نقطة شحن هاتف، أو طعام تكية، أو أرض فقد صاحبها القدرة على حمايتها.

هذا التحوّل لا يعني أن القانون ضعف، بل يعني أن الإنسان جُرِّد من أساسياته.

وهنا بالضبط يُختبَر المعنى الحقيقي لعبارة: القانون مهنة إنسانية.

ليس المطلوب من المحقق أو وكيل النيابة أو القاضي أن يتحوّل إلى أداة قمع، ولا أن يصبح مصلحًا اجتماعيًا خارج إطار النص، بل أن يكون ضابط توازن بين النص والواقع.

رجل القانون ليس “ابن المجتمع” ليُجامل، بل “ابن المجتمع” ليَفهم.

هذا الفهم لا يُدوَّن في محاضر التحقيق، ولا يُكتب في قرارات الاتهام، لكنه حاضر في نبرة السؤال، وتسلسل الاستجواب، وتقدير الموقف، وقرار التوقيف أو عدمه، ومتى تُحال القضية للقضاء، ومتى تُغلق بإجراء قانوني بسيط يمنع تفاقم النزاع.

رجل القانون لا يُعيد للناس حياتهم التي فقدوها، ولا يحلّ مشاكل المجتمع بدلًا عنه، ولا يُصلح آثار الحرب وحده.

لكنه يفعل أمرًا بالغ الأهمية: يمنع الظلم الثاني.

فالحرب ظلم، لكن أن يُظلَم الإنسان بعد الحرب مرة أخرى، بسوء إجراء أو قسوة أو لامبالاة، فهنا يبدأ الانهيار الحقيقي للمجتمع.

حين يلتزم رجل القانون بسماع الناس دون أن يحمل أوجاعهم على كتفيه، ويضبط الإجراء، ويمنع استغلال الضعيف، ويُعيد الأمور إلى مسارها القانوني السليم، فهو في الحقيقة يحمي ما تبقّى من النسيج الاجتماعي.

الخطير ليس أن يتأثر رجل القانون، فالوجدان الحيّ ضرورة،لكن الخطير أن يتبلّد.

ولهذا تبقى جملة واحدة ضرورية لكل رجال القانون في هذه المرحلة:

“أنا لا أملك حلّ كل شيء، لكنني أملك أن لا أكون جزءًا من الظلم.”

فالقانون مهنة إنسانية، لكن إنسانيتها الحقيقية تكون في الاتزان، لا في الانغماس.

ومجتمع ما بعد الحرب بأمسّ الحاجة إلى هذا النوع من العدالة.

المصدر / فلسطين أون لاين