فلسطين أون لاين

من الهاسبارا إلى الرصاص: حرب "إسرائيل" على الصحافة الفلسطينية

في أعماق الظلام الذي يلف غزة، حيث تتقاطع الدماء مع الحبر، وتتداخل الصرخات مع الكلمات، تبرز حملات التحريض ضد الصحفيين كظاهرة تكشف عن جوهر الصراع الاستعماري الحديث. ليس هذا مجرد صراع أسلحة، بل حرب على الوعي، حيث يصبح الصحفي الفلسطيني شاهداً مزعجاً، وتتحول الكاميرا إلى سلاح يهدد أسس الرواية المهيمنة. كأننا أمام لوحة سريالية رسمها الزمن: صحفيون يُصنفون "إرهابيين" لأنهم ينقلون الحقيقة، وحملات منسقة تخرج من أعماق "الهاسبارا" الإسرائيلية، تهدف إلى قتل الشاهد قبل الشهادة. هذه الحملات ليست عشوائية، بل جزء من منظومة متكاملة للحرب الهجينة، تقودها دولة الاحتلال لتكسير مرآة الذات الفلسطينية وتضليل الرأي العام العالمي. في هذا المقال، نستعرض كيفية متابعة هذه الحملات كفعل مقاومة، والجهات الواقفة خلفها، وأهدافها الاستراتيجية، في محاولة لفضح آليات التضليل وصون الرواية الوطنية.

أما عن كيفية متابعة هذه الحملات، فهي تتطلب يقظة لا تهدأ، كتلك التي يمارسها الإعلامي الوطني أمام مسار الدعاية الاستعمارية. لا تكون المتابعة سلبية، بل فعل مقاومة يرصد الحسابات الموجهة والمنشورات المبرمجة مخابراتياً. ابدأ برصد المنصات الرقمية الرئيسية حيث تنطلق الحملات المنسقة من مراكز "الهاسبارا". راقب التغريدات التحريضية التي تصنف الصحفي الفلسطيني "إرهابياً" لمجرد نقل الحقيقة، وتابع الهاشتاجات مثل "Gazawood" التي تسخر من المحتوى الفلسطيني. استخدم أدوات البحث الدؤوب في أعماق الفضاء الرقمي، مثل تحليل الروابط المشتركة بين الحسابات، وتتبع الزيادات المفاجئة في التفاعلات التي تشير إلى جيوش الذباب الإلكتروني. هذا الرصد يفضح آليات التضليل، من خلال توثيق المنشورات ومشاركتها مع منظمات حقوقية مثل "مراسلون بلا حدود" أو اتحاد الصحفيين الفلسطينيين. بهذه الطريقة، تحول المتابعة إلى أداة لحماية الرواية الوطنية، ومقاومة الاستلاب الفكري الذي يفرضه الاحتلال.

أما على صعيد الجهات التي تقف خلف هذه الحملات، فهي ليست ظواهر عشوائية، بل مخرجات منظومة متكاملة للحرب الهجينة، تقودها دولة الاحتلال كجزء من استراتيجيتها الأمنية القائمة على "السيبرانية السياسية". في القيادة السياسية-العسكرية، تقف أذرع الدولة العميقة، حيث تتكامل وزارات مثل الشؤون الاستراتيجية والشتات مع الأجهزة الأمنية في تنسيق "الهاسبارا"، التي ليست دعاية تقليدية بل "هندسة للوعي" تهدف إلى ترسيخ مرشحات معرفية عالمية تبرر أفعال الدولة. كشفت تحقيقات عن "خلية شرعنة" سرية ضمن الاستخبارات العسكرية الصهيونية، مهمتها تلفيق الارتباطات بين الصحفيين والفصائل، لتحويلهم إلى "أهداف مشروعة". أما الجهاز التنفيذي، فيشمل جيوش الذباب الإلكتروني المأجورة، التي تُدار من غرف عمليات سيبرانية لتضخيم الرواية الرسمية ونشر "الفيروسات السردية". تضاف إليها منصات مثل "ميديا ووتش ليجال"، التي أطلقها وزير إسرائيلي لتمييز "الصحفيين المزيفين" بناءً على معايير اعتباطية، كوجود أصدقاء مشتركين على فيسبوك. كذلك، يتم توظيف مؤثرين و"خبراء إرهاب" بدون مؤهلات حقيقية، لبث الخطاب الدعائي عبر قنوات تبدو مستقلة. أما البيئة التمكينية، فتشمل تواطؤاً إعلامياً دولياً، حيث يتبنى الإعلام الدولي الرواية الرسمية دون تمحيص، ويستخدم لغة تنزع الإنسانية عن الضحايا الفلسطينيين. هذا التواطؤ يتحول إلى "استسلام للسلطة"، مدعماً بالاحتكار البصري عبر حصار إعلامي على غزة، يمنع الصحفيين الدوليين ويتهم المحتوى الفلسطيني بأنه "باليوود". الأصوات الداخلية المغلوبة، في النهاية، مجرد أعراض للاستلاب الفكري الذي تنتجه هذه الآلة.

أما أهداف هذه الحملات، فهي عميقة ومترابطة، تمثل حرباً استراتيجية على مقومات الوجود الرمزي للشعب الفلسطيني. تكتيكياً، تهدف إلى "الإبادة الرمزية" و"قتل الشاهد"، ليس فقط إسكات الصحفي جسدياً – حيث قتل أكثر من 210 صحفياً في غزة منذ أكتوبر 2023، مع أدلة على استهداف 56 عمداً – بل نزع شرعيته المهنية عبر وصمه بالإرهاب، مما يُعد "ترخيصاً مسبقاً للقتل". كما وصف اتحاد الصحفيين الفلسطينيين، فإن العقيدة الميدانية تقوم على "لا شهود، لا رواية، لا صورة".

 استراتيجياً، تسعى إلى "تكسير مرآة الذات والآخر"، بتشويه الذات الفلسطينية وتسميم الثقة الداخلية، وتضليل الرأي العام العالمي عبر خلق ضبابية معرفية تجعل أي رواية فلسطينية قابلاً للتكذيب.

 جيوسياسياً، تهدف إلى "صناعة البراءة"، بتطهير الفعل الإسرائيلي من دلالات الإبادة الجماعية، وإعادة تقديمه كـ"دفاع عن النفس". عبر تجييش العواطف وشيطنة التضامن، تمهد الطريق لاستمرار المشروع الاستعماري دون كلفة أخلاقية، مختطفة الحقائق وملوثة ساحة المعركة الرمزية. 

في النهاية، هذه الحملات تكشف عن هشاشة الرواية المهيمنة، وتدعونا إلى مقاومة لا تنتهي، حيث يصبح الرصد أداة للعدالة، والكلمة درعاً للوجود.

المصدر / فلسطين أون لاين