فلسطين أون لاين

حين لم يعد الموت آمنًا

تقرير نبش مقبرة شرق غزة يعيد الفقد من تحت التراب

...
استهداف الاحتلال مقبرة للشهداء في غزة خلال حرب الإبادة الجماعية (أرشيفية)
غزة/ محمد أبو شحمة

وقف ناصر قريقع مذهولًا للحظات، وهو يحاول استيعاب الخبر الذي بلغه فجأة: جيش الاحتلال نبش قبور الشهداء. لم يكن السؤال الذي خرج من فمه يحتاج إلى شرح، قالها بصوت مكسور: “حتى القبور؟”.

ذلك السؤال كان كافيًا ليفتح جرحًا قديمًا، ويعيد الفقد من تحت التراب، بعد أن أقدم جيش الاحتلال الإسرائيلي على نبش وتجريف مقبرة البطش ومقبرة التفاح شرق مدينة غزة، في مشهد وصفه الأهالي بأنه انتهاك صارخ لحرمة الموتى وكرامتهم.

Image1_1202626115931293480186.jpg

نبش الاحتلال قبور الشهداء في مقبرة البطش شرقي غزة
 

ووفق إفادات محلية، نفذ الاحتلال عمليات نبش واسعة طالت مئات القبور، جرى خلالها إخراج جثامين فلسطينيين ونقل بعضها إلى معهد الطب العدلي “أبو كبير”، بذريعة البحث عن جثة الجندي الإسرائيلي ران غويلي، في خطوة أعادت إلى الواجهة واحدة من أكثر الجرائم قسوة خلال الحرب الجارية.

تفاصيل الجريمة

لم يكتفِ جيش الاحتلال بالقصف والتدمير، بل مكث لأكثر من يومين داخل مقبرة البطش، مستخدمًا الجرافات والآليات الثقيلة لتجريف القبور واستخراج الجثامين، كاشفًا العظام في مشهد صادم، حرم الأهالي من أداء أبسط طقوس الوداع أو إعادة الدفن.

ومن بين هذه القبور، قبر الشقيقتين إنعام وضحى قريقع، اللتين استشهدتا قبل أكثر من عامين، وكانتا من بين 12 شهيدًا من عائلة واحدة يرقدون في المقبرة ذاتها.

6041926724209020457.jpg

صورة تجسّد نبش الاحتلال قبور الشهداء شرقي غزة (مولدة بالذكاء الاصطناعي)
يقول ناصر قريقع لـ "فلسطين أون لاين": “أُصبنا بالصدمة حين علمنا أن الاحتلال نبش مقبرة البطش من أجل البحث عن جثة الجندي الأخير. لا نعرف شيئًا عن جثامين شقيقاتي وأقربائي، ولا نستطيع الوصول إلى المقبرة لأن المنطقة ما زالت خطرة”.

ويضيف: “الشهيد لا يملك شيئًا سوى قبره، وحين يُنبش القبر كأنهم يقولون لنا: لا حرمة لكم أحياءً ولا أمواتًا”.

ورغم الخطر، يؤكد قريقع عزمه التوجه إلى المقبرة فور زوال التهديد الإسرائيلي، لإعادة دفن شهداء عائلته وتكريمهم، معتبرًا ذلك “أدنى حق إنساني وديني”.

فقد يتجدد

وفي المقبرة ذاتها، نبش الاحتلال جثامين ابنة وأحفاد سلوى موسى، الذين استشهدوا في ديسمبر/ كانون الأول 2023، جراء قصف منزلهم قرب مجمع الشفاء غرب مدينة غزة بثلاثة صواريخ.

تقول موسى لـ"فلسطين أون لاين": “كنا نازحين في جنوب القطاع عندما استشهدت ابنتي وزوجها وأطفالهم، ودُفنوا في مقبرة البطش دون أن نودعهم”.

وتضيف: “عدنا إلى شمال غزة خلال الهدنة السابقة، واصطحبني أحد الأقارب إلى القبر وقرأنا الفاتحة، ثم جاء خبر نبش المقبرة… شعرت بأنهم ينتزعونهم مني مرة أخرى”.

6041926724209020456.jpg

وتستقبل موسى الخبر ببكاء شديد، متسائلة عن إمكانية الوصول إلى المقبرة، أو تدخل جهات رسمية وتطوعية لإعادة دفن الشهداء وتكريمهم.

الحزن ذاته عبّر عنه مهند سامي، الذي تابع أخبار نبش المقبرة حيث دُفنت زوجته وأطفاله، وكتب عبر حسابه على منصة “إكس”: “في المقبرة التي دُفنت فيها زوجتي وأولادي، يجري البحث عن جثة الجندي الأخير. كما قتلوهم وقصفوا البيت فوقهم، اليوم يفسدون علينا قبورهم… لم تعد لنا قبور بعد أن عاثوا فيها فسادًا”.

وفي الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال عملياته، يقف أهالي الشهداء على مسافة من قبور أحبّتهم، ممنوعين حتى من إعادة التراب إلى مكانه.

وفي غزة، حيث لم يعد الأحياء في مأمن، بات الموت نفسه مهددًا… وحيث يُنبش القبر، يُنبش معه وجعٌ لا يُدفن.

المصدر / فلسطين أون لاين