ليس صدفة أن يختار "بنيامين نتنياهو" لحظة العثور على جيفة الجندي الأخير ليعلن بفخرٍ مصطنع: «لأول مرة منذ 2014 لا أسرى لنا في غزة»، فالعبارة تُقال بوصفها رسالة نفسية؛ ومحاولة لإعادة ترميم صورة ردع تصدّعت، وإيهام الداخل الصهيوني بأن صفحة ثقيلة قد طُويت.
لكن المفارقة القاسية أن هذا الإعلان، بدل أن يبدو علامة قوة، يفضح مأزقاً عميقاً في الوعي الصهيوني، دولةٌ نووية، تملك أحدث أجهزة الاستخبارات، تعجز منذ عقود عن إغلاق ملفات جنود مفقودين، ثم تحتفل اليوم لأنها لم تعد تملك أسرى في بقعة جغرافية محاصَرة لا تتجاوز مساحتها بضع مئات من الكيلومترات.
فبينما يلوّح نتنياهو بورقة "الصفر أسرى"، تطلّ من خلف المشهد أشباح لم تغادر الذاكرة الصهيونية، "رون آراد" الذي ابتلعته حرب لبنان منذ 1986 ولم تستطع "تل أبيب" إعادته حياً ولا ميتاً، و"غاي خيفر" الذي اختفى عام 1997 وما زال اسمه عالقاً في أرشيف الغموض العسكري.
هنا تحديداً تنقلب الرواية، ليست غزة هي من تُحرج "إسرائيل" بالأسرى، التاريخ نفسه هو الذي يحرجها، فالمسألة لم تعد مسألة جنود محتجزين، إنّما مسألة دولة تفقد القدرة على احتكار اليقين؛ وتخوض حروباً بلا حسم، وتعلن انتصارات بلا ذاكرة، وتحاول إقناع جمهورها أن غياب الأسرى اليوم يعني غياب الهزيمة، بينما الوقائع تقول إن المعضلة أعمق من جندي، وأطول من حرب، وأثقل من دعاية.
إعلان "لا أسرى" خطاب دعائي
عندما يقول نتنياهو إن "إسرائيل" "لم يعد لديها أسرى في غزة"، فهو لا يقدّم توصيفاً عسكرياً بقدر ما يطلق عملية ترميم نفسي، فالتصريح هنا يُمثل محاولة لإغلاق فجوة داخلية اتسعت بين صورة الجيش التي تُباع للجمهور، وواقع ميداني أظهر هشاشة غير مسبوقة، فالواقع العسكري يُقاس بميزان القدرة على فرض الإرادة، ومنع التهديد، وضبط مسرح العمليات، أما هذا الإعلان، فينتمي إلى ما يمكن تسميته "بلاغة التعويض الاستراتيجي"، فحين تفقد المؤسسة عناصر الردع الحقيقية، تستعيض عنها بإعلانات رمزية تُسوَّق كإنجازات، أنّه نصر لغوي يُراد له أن يغطي على ارتباك ميداني، نتنياهو الغارق في أزماته السياسية، لا يتعامل مع ملف الجنود بأنه شأناً إنسانياً أو عسكرياً فقط، إنّما كرأسمال تعبوي يُضَخ في شرايين جمهور مرتبك.
في لحظة اهتزاز الثقة بالمؤسسة الأمنية، يصبح الجندي -حيّاً كان أو جثة- وحدة قياس للشرعية السياسية، وأنّ إعادته تعني استعادة السيطرة، وفقدانه يعني تآكل الهيبة، أما إعلان "عدم وجود أسرى"، فيُراد له أن يبدو كأنه استعادة احتكار المؤسسة لمصير جنودها، حتى لو كانت الوقائع الأوسع تقول غير ذلك.
هنا تحديداً يتحول الجندي من فرد إلى رمز وظيفي في المسرح السياسي، و"إسرائيل" تاريخياً تتعامل مع جنودها باعتبارهم أيقونات عقد اجتماعي، أي أنّ الدولة تعد بحمايتهم واستعادتهم، والجمهور يمنحها التفويض الأخلاقي للحرب، لكن حين تتعثر هذه المعادلة، تظهر الحاجة إلى ما يمكن تسميته "إدارة الرماد العسكري"؛ أي تحويل الخسارة إلى خطاب، والفقد إلى رواية، والفراغ إلى إنجاز.
بذلك يصبح إعلان "لا أسرى" إجراءً نفسياً موجّهاً للداخل أكثر من كونه مؤشراً على تحوّل حقيقي في ميزان القوة، فالمعادلة الاستراتيجية لا تُقاس بعدد الأسرى فقط، بقدر قدرة المؤسسة على إنهاء الحروب دون أن تبقى عالقة في ذاكرة التاريخ، وهذا ما لم يتحقق.
ذاكرة الفقد الصهيونية، الجرح الذي لم يلتئم
في العمق الصهيوني، يوجد ما يمكن تسميته "اللاوعي الأمني المثقوب"؛ وهو مساحة ظلّ تتكدّس فيها أسماء لم تُستعَد، وصور لم تُغلق، وأسئلة لم تُجَب، وهنا يظهر رون آراد كشاهد دائم على حدود القوة.
منذ 1986 والكيان الذي يمتلك شبكة استخبارات عالمية، وأقماراً صناعية، وتحالفات دولية، لم تستطع أن تقدّم يقيناً نهائياً لعائلة طيارها المفقود، رون آراد لم يعد شخصاً؛ فقد أصبح مجازاً للعجز المؤسسي، وقضيته تذكير دائم بأن التكنولوجيا لا تهزم الغموض، وأن فائض القوة لا ينتج بالضرورة فائض سيطرة، أما غاي خيفر فيمثّل بعداً أكثر إرباكاً: ليس أسير حرب واضح السياق، إنّما لغزاً يهزم الرواية الرسمية، من حيث اختفاء بلا مشهد قتال، بلا صورة، بلا رواية مغلقة، وهنا تكمن الخطورة؛ لأن الغموض أخطر على الدول من الهزيمة المعلنة، فالهزيمة يمكن تفسيرها، أما الغياب فيُبقي المؤسسة في حالة تعليق؛ لا انتصار ولا اعتراف بالفشل.
بهذا المعنى، لم تعد قضايا المفقودين مجرد ملفات إنسانية، بقدر ما تحولت إلى عُقَد هوية وطنية داخل المجتمع الصهيوني، فكل جندي مفقود هو شرخ في السردية المؤسسة على فكرة أن الدولة لا تترك أبناءها خلفها، ومع تراكم هذه القضايا، يتشكل ما يمكن تسميته "الذاكرة المقاومة داخل المجتمع الصهيوني نفسه"؛ ذاكرة تقول إن القوة ليست مطلقة، وإن الجيش ليس قادراً دائماً على إغلاق دوائر الحرب.
وهنا تظهر المفارقة القاسية، فبينما يحاول نتنياهو تسويق لحظة "لا أسرى" كدليل حسم، يقف التاريخ ليقول العكس، المشكلة لم تكن يوماً في عدد الأسرى فقط، إنّما في قدرة الدولة على إغلاق ملف الفقد من جذوره، وهو ما فشلت فيه منذ أربعة عقود.
من الأسر إلى الهيبة؛ ماذا خسر الكيان فعلياً؟
الخطأ في قراءة المشهد يكمُن في اختزاله بسؤال: هل يوجد أسرى أم لا؟ بينما السؤال الحقيقي هو: من يحتكر القدرة على فرض قواعد الاشتباك؟ ففي المراحل السابقة من المواجهة، كان ملف الأسرى أحد تجليات القوة، لكنه لم يكن جوهرها، فالجوهر كان دائماً في احتكار المبادرة: من يبدأ الحرب، من يحدد سقفها، من يقرر متى تنتهي، وهذا الاحتكار هو الذي تصدّع، لا ملف الأسرى فقط.
غزة بوصفها فاعلاً سياسياً-عسكرياً، لم تكتفِ بمراكمة أدوات ضغط، بقدر ما نجحت في إعادة هندسة معادلة الردع، فلم يعد المشهد بأنّه كيان يقصف وطرف يتلقى، بقدر ما صار فعل يُستدعى بفعل، وضربة تجرّ ضربة، واقتحام يولّد اقتحاماً.
من هنا، فإن إعلان "لا أسرى" يبدو كأنه محاولة للتمسك بآخر عناصر التفوق الرمزي، بينما التحول الحقيقي جرى في مكان آخر: الكيان لم يعد الطرف الوحيد الذي يملك حق تعريف متى تبدأ المواجهة ومتى تتوقف، ولم يعد صاحب الزمن العسكري الأحادي، وهذه هي الخسارة الأخطر: ليس فقدان جنود، إنّما فقدان امتياز التحكم بالسياق، فالدعاية تستطيع أن تعلن إغلاق ملف الأسرى، لكنها لا تستطيع إعلان استعادة الهيبة؛ لأن الهيبة إحساساً لدى الخصم بأن كلفتك أعلى من مكسبه، وهذا الإحساس تآكل.
المفارقة الكبرى.. كيان قوي يخاف من التاريخ
المفارقة أن الكيان بكل تفوقه العسكري، يبدو أقل قلقاً من معارك الحاضر مما هو قلق من ملفات الماضي غير المغلقة، لماذا؟ لأن الحاضر يمكن إدارته بالقوة، أما الماضي فلا يُدار إلا باليقين، وهو ما يفتقده.
التاريخ هنا يُمثّل تهديد سياسي، فكل ملف مفقود هو سؤال مفتوح حول حدود القدرة، وكل اسم لم يُستعَد هو ثغرة في سردية تقول إن المؤسسة الأمنية تعرف كل شيء، وتصل إلى كل مكان، وتستعيد كل من يضيع، وحين يعجز الكيان عن إغلاق هذه الملفات، يتكوّن ما يمكن تسميته "التآكل الصامت للهيبة"، حيث تراكم الشك، والجمهور يبدأ بالسؤال: إذا كانت المؤسسة لم تستطع حل لغز واحد منذ عقود، فكم من الألغاز الأخرى تخفيها؟ وهنا يتحول الجندي المفقود من قضية إنسانية إلى وثيقة اتهام تاريخية.
ولهذا يبدو الاحتفاء بـ "لا أسرى" كأنه محاولة لإغلاق باب الحاضر سريعاً قبل أن يفتح التاريخ أبواب الماضي كلها دفعة واحدة.
غزة كحالة سياسية لا جغرافيا
غزة، في الخطاب التقليدي، تُقدَّم كحيّز ضيق، مساحة محاصرة، كثافة سكانية، أزمة إنسانية، لكن ما جرى خلال الأعوام الأخيرة حوّلها من جغرافيا مُدارة إلى حالة سياسية فاعلة؛ ومن موضوع للسياسات إلى مُنتِج للمعادلات.
هذه البقعة الصغيرة لم تكسر التفوق العسكري المباشر للكيان، لكنها كسرت شيئاً أكثر خطورة وهو احتكار الزمن العسكري، ففي العقود السابقة، كان الكيان هو من يضغط زر البداية، ويختار لحظة النهاية، ويُبقي الآخرين داخل زمن رد الفعل، أما اليوم، فقد دخلت المواجهة ما يمكن تسميته الزمن المتبادل؛ حيث لا تعود المواجهة قراراً أحادياً، بقدر ما أصبحت مساراً تفاعلياً تتوزع فيه القدرة على المبادرة.
اثنا عشر عاماً من الاشتباك المتواصل لم تُنتج مجرد جولات قتال، بقدر ما أنتجت تحولًا في طبيعة الاشتباك، فغزة أصبحت فاعلاً ضابطاً للإيقاع؛ تفرض توقيت الانفجار، وتحدد سقف التصعيد، وتجبر الكيان على القتال داخل معادلات لم يصنعها وحده، وهنا يتبدل المفهوم: ليست القوة في حسم المعركة، القوة في منع الآخر من احتكار تعريفها.
لهذا، فإن اختزال غزة في ملف أسرى يُعد قراءة قاصرة، ووجودها المقاوم المستمر هو الذي غيّر صورة الردع، وهو الذي جعل الكيان ينتقل من موقع الفاعل المنفرد إلى موقع الفاعل المُجبَر على التكيّف، وبهذا المعنى، غزة ليست استثناءً في الجغرافيا، غزة تُمثّل اليوم استثناء في الوظيفة السياسية، من نقطة صغيرة أعادت توزيع الأدوار في مواجهة كانت تبدو محسوم.
القول إنه "لا أسرى في غزة" لا يعني أن الكيان خرج من مأزقه، بقدر ما يعني أنه دخل مرحلة أكثر هشاشة على مستوى المعنى، مرحلة يصبح فيها الفراغ إنجازاً رمزياً، لأن الإنجاز الفعلي غائب، ومرحلة يتحول فيه التاريخ إلى تهديد استراتيجي، لأنها تكشف ما فشل الخطاب في إخفائه، ومرحلة يصبح فيها التاريخ خصماً سياسياً، لا مجرد سجل أحداث.
لهذا، فإن الأشباح التي لم تُستعد، والأسماء التي بقيت معلّقة بين الغياب واليقين، ليست تفاصيل قديمة، هذه الأشباح هي التي تكتب الرواية الأطول، وتذكّر بأن قواعد المواجهة لا تُحسم بإعلان، ولا تُغلق ببيان، إنّما تبقى مفتوحةً ما دامت الذاكرة مفتوحة.