تتواصل معاناة الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي في ظروف إنسانية بالغة القسوة، وانتهاكات ممنهجة تطال أبسط حقوقهم، وسط صمت دولي مريب وتقصير واضح من المؤسسات الحقوقية والإنسانية.
وطالب أسرى محررون، إلى جانب أهالي الأسرى ومختصين وناشطين في شؤونهم، خلال وقفة احتجاجية أسبوعية نُظّمت أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة، بضرورة إنصاف الأسرى وضمان حقوقهم، مؤكدين حقهم في الحرية والكرامة الإنسانية.
ورفع المشاركون الأعلام الفلسطينية ولافتات عبّرت عن حجم المأساة التي يعيشها الأسرى داخل السجون، كُتب عليها: «أسرانا يتعرضون لأبشع الانتهاكات»، و«أسرانا يموتون من البرد»، مرددين هتافات غاضبة دعت المؤسسات الدولية والحقوقية إلى تحمّل مسؤولياتها القانونية والإنسانية، والعمل الجاد لوقف الانتهاكات والإفراج عن الأسرى.
غرفة التحقيق
وتحدثت الأسيرة المحررة تسنيم الهمص عن معاناة عائلتها، مؤكدة أن والدها، الطبيب مروان الهمص، المدير العام للمستشفيات الميدانية، لا يزال يقبع في سجن «عسقلان» منذ اعتقاله في 21 تموز/يوليو 2025، دون تهمة واضحة أو أدلة قانونية.
وأوضحت أن قوات الاحتلال اعتقلتها هي الأخرى وزجّت بها في السجن، في محاولة للضغط النفسي على والدها وانتزاع اعترافات لا أساس لها من الصحة.
وأضافت الهمص، في كلمة ألقتها خلال الوقفة، أنها التقت بوالدها داخل غرفة التحقيق، وهو مكبّل اليدين إلى كرسي، في مشهد إنساني قاسٍ لا يُمحى من الذاكرة، حيث لم يتمكنا سوى من البكاء واحتضان بعضهما بعضًا رغم القيود.
وأشارت إلى أن المحققين كانوا يكررون الأسئلة ذاتها حول أماكن وجود أسرى إسرائيليين، من بينهم الجندي هدار غولدن، وكانت تجيب بأنها لا تعلم شيئًا، فيغادرون ثم يعودون بالسؤال نفسه، في أسلوب تحقيق قائم على الضغط النفسي والإرهاق المتعمّد.
وبيّنت الهمص، وهي ممرضة، أنها تعرضت للاختطاف في وضح النهار على يد عملاء للاحتلال، حيث هُدد كل من حاول الاقتراب منها بالقتل، قبل نقلها إلى شرق خان يونس، ثم تسليمها لجيش الاحتلال الذي اعتقلها فورًا.
واحتُجزت لمدة 59 يومًا، تنقلت خلالها بين التحقيق والتعذيب والعزل الانفرادي في سجني «عسقلان» و«الدامون»، في ظروف وصفتها بالبالغة القسوة، قبل الإفراج عنها، بينما لا يزال قلبها معلّقًا بوالدها خلف القضبان.
وتطرقت الأسيرة المحررة إلى معاناة الأسرى والأسيرات خلال عمليات النقل عبر ما يُعرف بسيارة «البوسطة»، واصفة إياها برحلة عذاب حقيقية، يتعرض خلالها الأسرى للإذلال والضرب، والحرمان من أدنى مقومات الراحة.
وأكدت أن السجّانين يتعمّدون التجويع والإهمال الطبي، ويواصلون الاعتداء الجسدي والقمع بلا رحمة، في ظل برد قارس ونقص حاد في الملابس والأغطية والفرشات.
سلاح البرد
وبيّنت الهمص أن الأسرى، رغم هذه الظروف القاسية، يحاولون كسر العزلة والقهر من خلال تنظيم جلسات تعليمية وتحفيظ القرآن الكريم، في محاولة للحفاظ على إنسانيتهم وصمودهم النفسي، إلا أن المعاناة تتفاقم مع فصل الشتاء، الذي يستغله الاحتلال كسلاح إضافي للانتقام من الأسرى.
ووجّهت الهمص تساؤلات حادة إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، قائلة: «أين دوركم مما يتعرض له الأسرى؟ وأين واجباتكم القانونية؟»، مؤكدة أن الأسرى، لا سيما الأطباء المعتقلين دون ذنب، يعيشون أوضاعًا كارثية داخل السجون، تشمل التعذيب النفسي والجسدي، واستخدام الغاز ورش الفلفل خلال عمليات القمع.
كما كشفت أنها أُصيبت داخل السجن بمرض «السكابيوس» (الجرب)، دون أن يقدم لها السجانون أي علاج، وتركها تصارع المرض حتى الإفراج عنها، مشددة على أن إدارة السجون ترفض تزويد الأسرى بالأدوية والعلاجات اللازمة، في انتهاك صارخ للقوانين والمواثيق الدولية.
وبحسب إحصائيات رسمية، يبلغ عدد الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 9500 معتقل، بينهم 3405 معتقلين إداريين، و350 طفلًا، و26 أسيرة، إضافة إلى 1555 معتقلًا من قطاع غزة صنّفتهم سلطات الاحتلال كمقاتلين «غير شرعيين»، علمًا أن هذه الأرقام لا تشمل جميع معتقلي غزة، ولا سيما المحتجزين في معسكرات الجيش.
وفي ختام الوقفة، طالب المشاركون المؤسسات الدولية والإنسانية، وعلى رأسها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بالتحرك العاجل، وزيارة السجون، والضغط على سلطات الاحتلال لوقف الجرائم المرتكبة بحق الأسرى، والعمل الجاد للإفراج عنهم، مؤكدين أن قضية الأسرى ستبقى في صدارة النضال الفلسطيني حتى نيلهم حريتهم.