مع شروق كل صباح في قرية كردلة، لا يعرف السكان إن كان اليوم سيمرّ بلا إخطار هدم جديد، أو دون اقتحام للمراعي، أو قرار عسكري يضيّق الخناق أكثر. هنا، في أقصى شمال الأغوار الفلسطينية، لا يُقاس الزمن بالساعات، بل بقدرة الناس على الصمود يومًا إضافيًا فوق أرضٍ تُنتزع منهم ببطء.
تقع كردلة على بعد 13 كيلومترًا شمال شرق طوباس، منخفضةً 99 مترًا تحت مستوى سطح البحر، لكنها مرتفعة بثقل ما تواجهه. قرية صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها 234 نسمة، تحولت إلى ساحة اختبار مفتوحة لسياسات التهجير القسري الإسرائيلية، وسط صمت دولي مطبق.
تأسست كردلة في ثلاثينيات القرن الماضي على يد عشيرة الفقهاء القادمة من طوباس، ولجأ إليها فلسطينيون بعد نكبة 1948. منذ ذلك الحين، شكّلت الزراعة والرعي عمود الحياة فيها، لكن هذا النمط بات اليوم مهددًا بالاقتلاع.
يقول غسان فقها، رئيس المجلس القروي، إن تصنيف القرية ضمن مناطق “سي” شلّ كل مظاهر الحياة فيها.
“نُحرم من بناء مسجد، أو مدرسة، أو روضة أطفال، أو حتى عيادة صحية. الاحتلال لا يمنع التطوير فقط، بل يمنع البقاء”، يقول لـ "فلسطين أون لاين".
هذا الخنق الإداري دفع أكثر من ثمانية شبان إلى مغادرة القرية، بعد عجزهم عن البناء أو الزواج. “الهجرة هنا ليست خيارًا، بل نتيجة سياسة ممنهجة لتفريغ الأرض”، يضيف فقها.
أما مثقال فقها، أحد سكان القرية، فيؤكد أن الاحتلال يمنع إصدار تراخيص البناء منذ عام 1981، ما اضطر الأهالي للبناء دون ترخيص، مع علمهم أن منازلهم قد تُهدم في أي لحظة.
“أكثر من 70% من بيوت القرية مهددة بالهدم، بينما المستوطنون من حولنا يتمتعون بكل أشكال الخدمات”، يقول.
لم تقتصر سياسة الخنق على العمران، بل امتدت إلى الأرض والماء. فمنذ عام 1977، انخفضت كمية المياه المتاحة للقرية إلى نحو خمسة أمتار مكعبة في الساعة، ما انعكس مباشرة على الزراعة والثروة الحيوانية.
وفي هذا السياق، يؤكد إبراهيم صوافطة، رئيس مجلس الخدمات المشتركة في الأغوار الشمالية، أن الاحتلال يستخدم المياه كسلاح ضغط، رغم أن المنطقة تقع فوق أحد أكبر الأحواض المائية في فلسطين.
“المستوطنات تحصل على وفرة مائية، بينما القرى الفلسطينية تُترك بعطشها”، يقول.

إبراهيم صوافطة، رئيس مجلس الخدمات المشتركة في الأغوار الشمالية
إلى جانب ذلك، تحاصر كردلة بؤر استيطانية رعوية تتمدد بسرعة تحت حماية جيش الاحتلال. يقتحم المستوطنون الأراضي، يمنعون الرعاة من الوصول إلى المراعي، ويتسببون بخسائر اقتصادية متراكمة، في محاولة واضحة لجعل الحياة غير محتملة.
وتشير تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى عشرات الاعتداءات التي شهدتها مناطق الأغوار الشمالية خلال الأسابيع الأخيرة، شملت تخريب ممتلكات واعتداءات جسدية وإغلاق طرق، دون أي مساءلة.
وتتجسد هذه السياسة في مشاهد الهدم المتكررة، كان أبرزها هدم منزل المواطن أحمد ناصر فقها، حيث وثقت مقاطع مصورة جرافات الاحتلال وهي تدمر المنزل وتُسقط الأعمدة والجدران، في رسالة تهجير لا تخطئها العين.
ورغم كل ذلك، يصرّ سكان كردلة على البقاء. بالنسبة لهم، الصمود ليس شعارًا، بل ممارسة يومية في مواجهة الخوف، والعطش، والهدم، والعزلة.
في كردلة، لا يطالب الناس بأكثر من حقهم الطبيعي في العيش بكرامة فوق أرضهم. معركة مفتوحة، عنوانها الوحيد: إما البقاء… أو الاقتلاع.

