على وقع الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة، وفي وقت تتآكل ثقة الشعوب بمنظومة العدالة الدولية، يبرز ما يسمى "مجلس السلام العالمي" بوصفه مشروعا سياسيا مثيرا للجدل، ليس استجابة لمعاناة الضحايا، بل محاولة لإعادة هندسة مفهوم "السلام" بما يتجاوز القانون الدولي ويتجاهل جوهر الصراع. فالمجلس الذي يجري الترويج له خارج أطر الأمم المتحدة، يطرح نفسه بديلا عن الشرعية الدولية، في لحظة تاريخية يفترض أن تكون المساءلة والمحاسبة أولوية، لا الالتفاف عليها.
رفض منظمات دولية وأممية لهذا التشكيل لا ينفصل عن مخاوف عميقة من تقويض منظومة القانون الدولي وتحويلها إلى إطار رمزي بلا قدرة على الردع أو الإنصاف، خاصة مع تزايد المؤشرات على أن هذا المجلس يسعى إلى تبييض جرائم الاحتلال، وتبرير العجز الدولي عن وقف المجازر، عبر خطاب سلام انتقائي يفصل بين العدالة والحقوق من جهة، والسياسة والمصالح من جهة أخرى.
في هذا السياق، تأتي اللقاءات التطبيعية السرية التي جرت على هامش المنتديات الاقتصادية الدولية، لتكشف عن مسار مواز يتقدم بعيدا عن أعين الرأي العام، ويعيد إدماج الاحتلال في المشهد الإقليمي والدولي، رغم استمرار جرائمه بحق المدنيين. هذه اللقاءات، التي تتزامن مع ضغوط أمريكية مكثفة على دول عدة للانضمام إلى المجلس المقترح، تعكس نهجا قائما على الإملاءات والتهديد، لا على التوافق أو احترام سيادة القرار الدولي.
انقلاب على القانون الدولي
ويقول المحلل السياسي والخبير في الشأن الإسرائيلي إبراهيم أبو جابر لـ "فلسطين أون لاين" إن تشكيل ما يسمى "مجلس السلام العالمي" لا يمكن فصله عن السياق السياسي والأخلاقي الذي نشأ فيه، معتبرا أن هذا المجلس يمثل "انقلابا صريحا على القانون الدولي ومحاولة مكشوفة لتجاوز منظومة الأمم المتحدة ومؤسساتها الشرعية".
وأضاف أبو جابر: "نحن أمام كيان سياسي جديد يصاغ خارج إطار الشرعية الدولية، ويتجاهل عمدا قرارات مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية، ويقفز فوق حقوق الشعب الفلسطيني التي أقرتها القوانين الدولية منذ عقود. هذا المجلس لا يسعى إلى السلام، بل إلى إعادة تعريفه بما يخدم الاحتلال ويمنحه غطاء دوليا بديلا عن الشرعية الأممية".
المحلل السياسي والخبير في الشأن الإسرائيلي إبراهيم أبو جابر
وأشار إلى أن رفض منظمات دولية وأممية لهذا المجلس يعكس إدراكا متزايدا لخطورة المسار الذي يجري الدفع به، موضحا أن "أي جسم سياسي يتجاوز الأمم المتحدة إنما يسعى إلى تفريغ القانون الدولي من مضمونه وتحويله إلى مجرد نصوص بلا قيمة تنفيذية".
وحول توقيت الإعلان عن المجلس، شدد أبو جابر على أن ظهوره "جاء على أنقاض الإبادة الجماعية في غزة"، مضيفا: "هذا المجلس ولد من رحم المجازر، لا من رحم العدالة. الهدف الأساسي منه هو تبييض جرائم الاحتلال، وإعادة تسويق إسرائيل كشريك سلام، في وقت ترتكب فيه جرائم ترقى إلى الإبادة الجماعية بحق المدنيين الفلسطينيين".
وأكد أن المجلس يسعى أيضا إلى "تبرير العجز الدولي الفاضح عن وقف الجرائم"، وأكمل "بدلا من محاسبة الاحتلال، يجري خلق أطر بديلة تشرعن الإفلات من العقاب، وكأن دماء الفلسطينيين يمكن تجاوزها بإعادة تدوير خطاب السلام".
وختم أبو جابر بالقول إن هذا المشروع "يمثل سابقة خطيرة تهدد النظام الدولي برمته، وليس فقط القضية الفلسطينية".
لقاءات تطبيعية
من جانبه، اعتبر المحلل السياسي اللبناني قاسم قصير أن اللقاء التطبيعي السري الذي جرى بين السعودية والكيان على هامش مؤتمر دافوس "يشكل تطورا خطيرا في مسار التطبيع، ويعكس انتقال بعض الأطراف من مرحلة الاتصالات غير المعلنة إلى مرحلة التنسيق السياسي تحت الطاولة".
وقال قصير لـ"فلسطين أون لاين": "عقد مثل هذا اللقاء في ظل استمرار العدوان على غزة، ووسط مشاهد القتل والدمار، يكشف انفصالا أخلاقيا كاملا عن معاناة الشعب الفلسطيني، ويبعث برسالة خاطئة مفادها أن الجرائم لا تشكل عائقا أمام بناء الشراكات مع الاحتلال".
المحلل السياسي اللبناني قاسم قصير
وأضاف أن خطورة اللقاء لا تكمن فقط في انعقاده، بل في توقيته وسياقه، موضحا "نحن أمام محاولة لفرض وقائع سياسية جديدة، وكأن ما يجري في غزة مجرد تفصيل يمكن تجاوزه ضمن حسابات المصالح الإقليمية والدولية".
وحول سياسة الهيمنة الأمريكية، شدد قصير على أن واشنطن تمارس "ضغوطا مباشرة وغير مباشرة على عدد من الدول للانضمام إلى ما يسمى مجلس السلام العالمي"، مؤكدا أن هذه السياسة "تعيد إنتاج منطق الإملاءات والتهديد، وليس الشراكة أو التوافق".
وقال: "الولايات المتحدة لا تعرض السلام، بل تفرضه وفق رؤيتها ومصالح حليفها الإسرائيلي. من يرفض الانضمام يهدد سياسيا أو اقتصاديا، ومن يساير يكافأ، وهذه ليست دبلوماسية، بل ابتزاز سياسي".
وأضاف قصير أن هذا الأسلوب "يقوض أي حديث عن نظام دولي قائم على التعددية"، معتبرا أن المجلس المقترح "أداة جديدة للهيمنة الأمريكية وتطويع المواقف الدولية".
وختم بالقول: "السلام الحقيقي لا يولد من غرف مغلقة ولا من صفقات سرية، بل من العدالة، وما دام الاحتلال قائما، فإن كل هذه المجالس ليست سوى واجهات سياسية لتكريس الظلم".