قائمة الموقع

الحرب الأمريكية الإيرانية: بوابة ذات مفترق طرق

2026-02-04T07:44:00+02:00
فلسطين أون لاين

على حافة الهاوية يعيش الشرق الأوسط، حيث يتصاعد الخطاب الأمريكي العدائي إلى ذروة جديدة مجددا في شن حرب ضد ايران ،حيث يهدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن "الهجوم القادم سيكون أسوأ بكثير" إذا لم توافق إيران على اتفاق بشأن برنامجها النووي والصاروخي. في المقابل، تعلن إيران استعداد قواتها المسلحة والشعبية لـ "الدفاع المقدس"، متوعدة برد "شامل ومثير للندم" على أي عدوان. وما بين المطرقة والسندان، ما بين خطاب الردع الخشن وباب التفاوض المفتوح بخيط رفيع، يكمن قرار الحرب والسلام.

لكن اللافت اليوم، عما سبق من أزمات، هو تحول محور ثقل هذا القرار. فالحرب الأمريكية الإيرانية، إن اندلعت، لن تكون حرباً ثنائية البنية، بل ستكون حرباً شاملة تتقاسم نيرانها كل دول المنطقة. وهذا بالضبط ما يدفع قوى إقليمية كبرى كالسعودية وتركيا إلى الخروج من دور المتفرج السلبي إلى فاعل دبلوماسي نشط، بل ومعرقل محتمل لمخطط الحرب. هؤلاء الحلفاء التقليديون لواشنطن يدركون أنهم سيكونون أول وأكبر المتضررين في أي سيناريو تصادمي، سواء حققت الضربة الأمريكية أهدافها أم فشلت.

ففي قلب هذه المعادلة تقف المملكة العربية السعودية، الحليف الاستراتيجي التاريخي لأمريكا. و رغم العداء الواضح مع طهران والمنافسة الإقليمية العميقة، تتخذ الرياض موقفاً واضحاً بالرفض القاطع لأي حرب. فقد أكد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لرئيس إيران مسعود بزشكيان خلال اتصال هاتفي أن المملكة "لن تسمح باستخدام مجالها الجوي أو أراضيها لأي عمل عسكري ضد إيران أو لأي هجمات من أي طرف، بغض النظر عن مصدرها". وهو الموقف نفسه الذي تبنته دولة الإمارات العربية المتحدة الحليف الستراتيجي الاول لإسرائيل .

هذا الرفض ليس تعبيراً عن دعم لإيران، بل هو قراءة واقعية للمصالح القومية. فالسعودية، الأقرب جغرافياً والأكثر تضرراً من النفوذ الإيراني عبر وكلائه في المنطقة، تعلم من تجربة الماضي القريب. هجوم عام 2019 على منشأتي "أرامكو" في بقيق وخريص، الذي أوقف نصف إنتاج المملكة النفطي، كان رسالة إيرانية واضحة ومكلفة. السعودية تفهم أن جيرانها الإيرانيين، وإن أضعفتهم الضربات، ما زالوا قادرين على "جعل الخليج ليس مكاناً جيداً للعيش أو الاستثمار من خلال بضع هجمات منخفضة التكلفة". كما أن قيادة الرياض، وفقاً لتحليلات، تفضل التعامل مع النظام الحالي في طهران الذي تعرفه، بدلاً من فراغ سلطة أو سيطرة كاملة للحرس الثوري قد ينتجان عن حرب.

ورغم هذا الموقف العلني، تواجه الرياض ضغوطاً أمريكية مكثفة للتخلي عنه. اذ تجري واشنطن محادثات مع وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، الذي يزور العاصمة الأمريكية، في محاولة لإقناع المملكة بالوقوف إلى جانب الضربة العسكرية أو على الأقل "الموافقة بصمت". وتتضمن الحجج الأمريكية الوعد بتقليل التهديد الإيراني عبر اجنحة ايران والصواريخ الباليستية، والتأكيد مجدداً على الالتزام الأمريكي بالدفاع عن المملكة. لكن مصداقية هذه الوعود محل شك حتى داخل الأوساط الأمريكية، حيث يشكك محللون فيما إذا كان بوسع ترامب أن "يعد الخليج بأي شيء" حقيقياً. قرار السعودية في هذه النقطة سيكون أحد العوامل في تحديد مسار الأزمة.

و على جانبي الخليج، يقف حليفان رئيسيان لواشنطن بموقفين متناقضين من شأنهما صياغة المشهد الإقليمي.

· تركيا: الوسيط النشط والمتضرر المحتمل تتحرك أنقرة بسرعة ودبلوماسية مكثفة لمنع الحرب حيث قام وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بمباحثات مطولة مع المبعوث الأمريكي الخاص، كما أجرى الرئيس رجب طيب أردوغان اتصالاً مع نظيره الإيراني، معرباً عن استعداد تركيا للعب دور الوسيط. هذا النشاط لا ينبع من التعاطف مع ايران فحسب، بل من إدراك عميق للمخاطر. فتركيا، التي تشترك في حدود طويلة مع إيران، ترفض أي تدخل أجنبي قد يؤدي إلى زعزعة استقرار جارتها الكبرى وتدفق لاجئين، وتخشى من تحول المنطقة إلى ساحة مواجهة دائمة. كما أن أنقرة، التي تشعر أحياناً بأن ترتيبات الناتو النووية لا تلبي طموحاتها الأمنية، تراقب بدقة العبرة التي قد تقدمها هذه الأزمة: هل الأمن الحقيقي يكمن في الحماية الأمريكية، أم في امتلاك القدرات الردعية الذاتية؟

إسرائيل: المحرض والداعم الرئيسي للحسم العسكري على النقيض تماماً، تدفع إسرائيل بقوة نحو "حسم أكثر جذرية للملف الإيراني". فقد عقد قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) لقاءات مع كبار المسؤولين العسكريين الإسرائيليين، بينما أعلن الجيش الإسرائيلي أن سلاح الجو في "حالة تأهب وجاهزية كاملة". تهدف إسرائيل من ذلك إلى إضعاف قدرة إيران النووية والصاروخية التي تشكل تهديداً وجودياً لها. ومع ذلك، فإن الخطر المباشر على إسرائيل هائل. ففي الحرب التي استمرت 12 يوماً العام الماضي، تمكنت الصواريخ الإيرانية من اختراق نظام "القبة الحديدي" الدفاعي الإسرائيلي، مما أحدث حالة من الذعر في تل أبيب وواشنطن. وخوفا من أي حرب جديدة ستجعل إسرائيل في مرمى آلاف الصواريخ والطائرات المسيرة، حيث حذر المتحدث باسم الجيش الإيراني بوضوح أن "نطاق الحرب سيشمل المنطقة ابتداءا من الكيان الصهيوني".

تشكل هذه المواقف الإقليمية مجتمعة ما يمكن وصفه بـ "مراكع إقليمي" قوي ضد الحرب. فـ "المحيط الإقليمي باستثناء إسرائيل لا يرغب في فتح مواجهة عسكرية مع إيران بمعنى حرب تقليدية". وهذا الضغط لا يقتصر على السعودية وتركيا، بل يشمل دولاً مثل قطر وعمان ومصر، التي تنخرط في دبلوماسية مكثفة للتهدئة.

في المقابل، يبدو القرار النهائي بيد الإدارة الأمريكية التي تمارس "دبلوماسية مدعومة بالقوة والضغط العسكري". تقسم تقديرات الخبراء بين من يرى أن التصعيد أداة تفاوض لإجبار إيران على التراجع، وبين من يعتقد أن واشنطن اتخذت بالفعل قرار الضربة وتناور نفسياً فقط. ولكن حتى إذا قررت أمريكا الضرب، فإن شكل الحرب ونتائجها ستحددهما مسار الحرب ومفاجئاتها .

· السيناريو الأول: ضربة محدودة بلا موافقة إقليمية إذا نفذت واشنطن ضربة محدودة دون موافقة علنية من حلفائها العرب على استخدام قواعدهم، فقد تضطر للاعتماد على قواعد في الأردن مثلاً، مما يحد من فعاليتها. الرد الإيراني حينها لن يكون محصوراً في القواعد الأمريكية فحسب، بل قد يشمل، وفق تهديدات واضحة، أي دولة "توجد فيها قواعد أمريكية". هنا تتحقق مخاوف السعودية والإمارات وقطر والكويت، فتصبح أراضيها ساحة رد إيراني مباشر، وتتحول الحرب بسرعة من محدودة إلى إقليمية شاملة.

· السيناريو الثاني: امتناع إقليمي تام وحرب صعبة إذا تمسكت الدول العربية بموقف الرفض وأغلقت مجالها الجوي، فإن القدرة الأمريكية على شن حملة جوية واسعة ومستمرة ستتقلص بشدة. هذا قد يدفع واشنطن إما إلى التخلي عن الحرب، أو إلى خوض معركة مكلفة وغير مضمونة النتائج من على بعد، مما يعزز سيناريو "الحرب الهجينة" الطويلة منخفضة الحدة التي يرجحها بعض المراقبين.وفي هذه الحالة ستكون إسرائيل هدفا سهلا للصواريخ والمسيرات الإيرانية .

الخلاصة: معركة المصير الإقليمي

الحرب الأمريكية الإيرانية المحتملة هي بالفعل معركة عند مفترق طرق وجودي للشرق الأوسط بأكمله*. لكن المعادلة اختلفت. فالقرار لم يعد حصراً بين البيت الأبيض وقادة الثورة في طهران. إنه قرار تتقاسم مسؤوليته، وستتقاسم نيرانه، عواصم الرياض وأنقرة والدوحة وأبوظبي والقاهرة. هذه العواصم ترفض أن تكون ساحة لمعركة يدفع ثمنها أمنها واستقرارها الاقتصادي، بينما النصر الحاسم لأي طرف غير مضمون.

إن الدرس الذي تعلمته دول المنطقة من حروب العقدين الماضيين هو أن الهيمنة الأمريكية، وإن حققت انتصارات عسكرية سريعة، لم تأتِ بالاستقرار، بل خلقت فوضى وفراغاً أمنياً ملأته قوى متشددة وصراعات بالوكالة. اليوم، ترفض هذه الدول تكرار التجربة على حساب أمنها القومي. لذلك، بينما تستعد إيران "لكلا السيناريوهين؛ المفاوضات والحرب"، فإن القرار الأصعب والأكثر مصيرية قد يكون ذلك الذي تتخذه العواصم العربية وتركيا: هل ستسمح بأن تكون ساحة لـ "حرب صليبية" ضد الإسلام في الشرق الأوسط كما يصفها البعض، أم ستفرض منطق المصالح القومية والبقاء، وتصبح القوة التي تحول دون الانزلاق إلى الهاوية؟ الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد، أكثر من أي شيء آخر، شكل خريطة الشرق الأوسط في العقد القادم.

اخبار ذات صلة