قائمة الموقع

المسارات الحرجة في الأزمة الإيرانية الأمريكية

2026-01-27T07:22:00+02:00
فلسطين أون لاين

ليس الهدف من هذه المقالة التأصيل لحالة العداء بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وجمهورية أمريكا الاتحادية، فقد سال حبرٌ يملؤ بحراً في هذا الموضوع، منذ أن أمم رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق (1882ــ 1967) صناعة النفط الإيراني في 15 03 1951، والذي تبعه عملية الإطاحة بحكومته ــ حكومة مصدق ــ في عملية إيجاكس( Operation Ajax )، والتي قادها الأمريكيون بهدف إعادة الشاه محمد رضا بهلوي (1919ـــ 1980) إلى سدة حكم إيران. وقد زاد عداء أمريكا للجمهورية الإسلامية يوم أطاحت الثورة الإسلامية في إيران بقيادة آية الله روح الله الخميني (1900 ــ 1989) في كانون الأول من عام 1979، أطاحت الثورة بأحد أهم أعمدة هيمنة وسيطرة أمريكا على دول غرب آسيا، عبر (شرطيها) في الخليج، والذي كان يلعب دوره في ذاك الوقت شاه إيران. وما تبع ذلك من سيطرة مجموعة من طلاب الجامعات الإيرانية على السفارة الأمريكية في 04 04 1979، واحتجاز 52 من الدبلوماسيين الأمركيين لمدى 52 يوم، ثم ما لحق هذا الأمر من محاولة فاشلة قامت بها حكومة الرئيس كارتر (1924ــ 2024) ، في عام 1980 لإنقاذ أولئك الرهائن، في عملية فاشلة أُطلق عليها اسم مخلب النسر (Operation Egle Claw) حيث سقطت الطائرات المقلة للقوة الإنقاذ ( دلتا فورس/ Delta Forse) في صحراء طبس الإيرانية.

كما ليس الهدف من هذه الورقة أيضاً الحديث أو التذكير بأن الدول والوحدات السياسية لا تهوى الانتحار، وأنها لا تبحث عن الحرب لمجرد الحرب، بل بحثاً عن مصالح، أو حماية لها. لذلك تبقي على خطوط التواصل والاتصال مع أعدائها، مهما بلغ هذا العداء من شأن. لذلك نرى الدولتين محل الحديث، يخاطب بعضها بعضاً مباشرة ( اتصالات وتكوف مع عرقچی)، أو بالواسطة عبر دول ترعى مصالحها، كما تفعل سويسرا في رعاية مصالح أمريكا في طهران، أو الباكستان التي تتابع شؤون إيران في أمريكا عبر قسم في سفارتها مخصصاً لهذا الأمر، فضلاً عما تقوم به عُمان وبغداد في هذا السياق.

إذن فالدولتين في حالة عداء وصراع مزمن ومرير، يأخذ أحياناً طابعاً خشناً، وفي أحيان أخرى يكون الضرب فيه تحت الحزام، وبطرق سرية لا تُرى مساراتها، وإن كنا نرى آثارها، وعلى هذا شواهد كثيرة يطول حصرها.

تشهد علاقة هاتين الدولتين، ومذ دخول ترامب البيت الأبيض، تصعيداً خطيراً، بدءًا بإعادة ما رفعته الإدارة الأمريكية السابقة عن إيران من عقوبات، ثم ما تبعه من مشاركة أمريكية في العدوان على إيران في حزيران عام 2025، والذي استمر 12 يوماً، حيث خُتم هذا العدوان بقصف سلاح الجو الأمريكي منشآت إيران النووية، ردت على أثره إيران بقصف قاعدة العديد الأمريكية على الأراضي القطرية. ثم هدأت موجة التصعيد الظاهرة، وبقيت تيارات الأزمة تتحرك في أعماق هذه العلاقة، لتظهر في أزمة إيران الأخيرة، على صورة دعوة ترامب للمتظاهرين الإيرانيين للخروج إلى الشوارع، والسيطرة على مقرات الحكم والحكومة، واعداً إيهام بالمدد الذي كان على الطريق ولم يصل حتى الآن!. فأعادت الحكومة الإيرانية سيطرتها على الشارع، وضبطت الأزمة، فلم تتوسع، مع بقاء نارها تعس تحت الرماد.

ثم بدأ الحشد، وإعداد مسرح العمليات في غرب آسيا ليكون قادراً على توجيه ضربة لإيران، يعتقد العدو الأمريكي أنها سوف تكون ناجزة، وقاضية، ومطيحة بآخر قلاع التصدي للهيمنة الأمريكية في غرب آسيا، عنينا بها الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ولما كان المسؤولون في إيران، بعسكرييهم ومدنييهم يتعاملون مع الموقف على أنه إمتدادٌ للحرب التي شنت عليهم في حزيران الفائت، كما يتعاملون مع الأزمة إنطلاقاً فرضية عمل، وتصور مواجّهةٍ يقول: بأن الحرب قد تقع في أي لحظة، لذلك يجب التحوط لها، وعدم السير خلف ما يقال ويصرح به من أن نذرها ــ نذر الحرب ــ قد ابتعدت، وأن غيومها قد انقشعت، حتى لو كان المبشر أقرب المقربين، وأصدق الصديقين، فهم في إيران لن يناموا على حرير هذه التطمينات، أو تلك التصرحيات.

حيث أن الموقف على ما قيل ووصّف، وحيث أن مؤشرات وقرائن الحرب تُرى وتشاهد؛ جواً وبراً وبحراً، وحيث أن الدول العاقلة، والساسة العقلانيون، يعمدون إلى التهديد وحشد القدرات، بهدف تحقيق الأهداف، دون اللجوء إلى تشغيلها، وأن حشد القدرات وتعبئتها إنما يأتي أولاً: لإعطاء التهديد مصداقية، فتحقق الأهداف، وثانياً: لامتلاك الجاهزية لتحقيق الأهداف في حال لم يؤتي التهديد أكله. ذلك، وبين هذاين الموقفين ـــ التهديد، والتشغيل ـــ تلعب الدول على حافة هاوية، وتسير على حد سيف، لا تحبذ السقوط في الأولى، ولا الجرح من الثاني. وهنا تأتي المسارات الحرجة التي قد تودي إلى الهاوية، أو (تفلق) الرجل من قساوة الدَوس (إقرأ الإجراء) على حد السيف.
هنا يأتي دور هذه الورقة للحديث عن أهم المسارات الحرجة في الأزمة الإيرانية الأمريكية الحالية، والتي قد تودي إلى هاوية الحرب، وعلى رأسها:

1. نزاقة وخفة صاحب قرار الحرب في أمريكا ( ترامب)، والعمل اللا مؤسسي الذي تشهده الإدارات والوزارات الأمريكية، في عهد هذا الرئيس، الذي يدير دولته، ويتعامل مع العالم وما فيه من أزمات عبر التغريدات اليومية، واللقاءات الصحفية التي يقول فيها الشيء ونقيضه في نفس الوقت. بحيث أصبح ــ ترامب ـــ غير متوقع السلوك حتى من أقرب المقربين منه، أو العارفين به. وهذا هو أخطر مسار حرج فيما نحن فيه من أزمة حالياً.

2. خطأ في الحسابات، ناتج خطأ في قراءة وتحليل وفهم شواهد وقرائن تصعيد الأزمة، عبر ما يتم تحريكه ونشره من قدرات قتالية لدى طرفي الأزمة. فأي خطأ في فهم هذه الحركات التعبوية قد يفضي إلى حرب لا يعلم من بدأها كيف سينهيها. وهنا لابد من التذكير بأن تصريحات القادة العسكريين الإيرانيين، لا تدع مجالاً للشك في أنهم سوف يتعاملون مع أي قرينة أو شاهد على تبلور أي تهديد، سيتعاملون معه بشكل مسبق، لاحباطه قبل التشغيل أو الخروج إلى حيز التنفيذ، عندها ستقع (الفاس في الراس).

3. إجراءات أمنية أو عسكرية، خارج المألوف، بقصد أو بسوء تقدير، تقع ضد القوات الأمريكية أو مصالحها المنتشرة في دول مثل: سوريا، العراق، الخليج العربي، لبنان، تتخذ منها أمريكا ذريعة ـــ هي أصلاً ليست بحاجة إلى ذرائع ــــ لشن عدوان على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الأمر الذي يعني رداً إيرانياً مباشراً على مصادر النار الأمريكية المنشورة في غرب آسيا.

4. قيام العدو الأمريصهيوني بعدوان، أمني أو عسكري، داخل إيران، يوقع خسائر لا يمكن السكوت عليها، الأمر الذي يعني حكماً فتح النار للرد على هذا العدو ومصالحة في غرب آسيا، بدءً من الكيان الموقت في فلسطين المحتلة، ومروراً بالقواعد المنتشرة في دول الخليج. إلّا أن هذا الرد سوف يكون متدرجاً صعوداً، الأمر الذي قد يفضي إلى حرب شاملة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحلفاءها في المنطقة، وأمريكا وأتباعها في غرب آسيا.

5. (إغراء) بلطجي الكون، عبر (عسسه) في المنطقة، بتوفر قدرات أمنية واستخبارية يمكن تفعليها داخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية، قد تفضي إن صاحبتها مؤازرة ودعم خارجي، قد تفضي إلى سقوط الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الأمر الذي يعيدنا إلى النقطة الثانية، المرتبطة بسوء التقدير، وخطأ الحسابات.

في الخلاصة:

لا يزال الموقف في الأزمة الإيرانية الأمريكية يشهد تصعيداً من كلا طرفي المعادلة، فكلا الطرفين يحشدان ويستعدان. ونذر وشواهد الحرب كثيرة، ولا يمكن الجزم بوقوعها من عدمه، الأمر الذي يتطلب رصداً لقرائن وشواهد قرب وقوعها، أو ابتعاد نذرها، حتى لا نؤخذ على حين غرة، ولا نقع فرائس سوء الحسابات.

اخبار ذات صلة