حظي إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسميا تدشين "مجلس السلام" لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، بمقاطعات دولية وأوروبية وتشكيك بأهداف المجلس الذي يسعى من خلاله رئيسه لأن يكون "بديلا عن هيئة الأمم المتحدة".
وفور الإعلان عن المجلس الذي وقع أعضاءه على ميثاقه الخميس، على هامش أعمال منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، أعلن رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا أن لدى قادة الاتحاد الأوروبي شكوكا جدية بشأن ميثاق "مجلس السلام"، وذكر أن عددا من عناصر الميثاق تطرح تساؤلات حول نطاق عمل المجلس وإدارته ومدى توافقه مع ميثاق الأمم المتحدة.
وشملت المواقف أيضا دول حليفة مثل فرنسا، بريطانيا، وإسبانيا، في وقت أعلن ترامب سحب دعوته لرئيس الوزراء الكندي مارك كارني للانضمام إلى المجلس، وذلك غداة تصريحات الأخير الذي لفت خلالها الأنظار حول "تصدع" في النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.
وبجانب تحفظات الاتحاد الأوروبي، أعلنت إسبانيا رفضها المشاركة في المجلس، فيما اتهم الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، نظيره الأميركي بالسعي إلى أن يصبح "سيدا لأمم متحدة جديدة" عبر إنشاء "مجلس السلام"، مؤكدا أنه تواصل مع عدد من القادة في العالم للدفاع عن المنظمة الأممية وإصلاحها.
وبحسب البيت الأبيض، فقد وُجهت الدعوة إلى نحو 60 دولة للانضمام إلى المجلس، بينما وافقت قرابة 35 دولة بالفعل.
ولم يقتصر الهجوم على تلك الدول أو الأعضاء في الأمم المتحدة بل هاجمت منظمة العفو الدولية، مراسم تأسيس "مجلس السلام" مسلطة الضوء على تداعيات خطيرة لهذه الخطوة على القانون الدولي ومنظومة حقوق الإنسان.
وأكدت العفو الدولية أن "مجلس السلام" يكشف عن تجاهل صارخ للقانون الدولي وحقوق الإنسان، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل تصعيدا خطيرا جديدا في الهجوم على منظومة الأمم المتحدة وآلياتها، ومؤسسات العدالة الدولية، والمعايير العالمية المعتمدة.
"توتر عالمي"
ورغم أن الهدف الأساسي من تشكيل المجلس هو الإشراف على إعادة إعمار غزة، إلا أن ميثاقه لا يحصر دوره في القطاع، ويبدو أنه يتطلع للعب دور أوسع قد ينافس الأمم المتحدة. بحسب مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية د. أحمد رفيق عوض.
وذكر أن هذا المجلس يطرح من قبل الرئيس الأميركي وباشتراط دفع مليار دولار للانضمام إليه، بمرجعة أمريكية أو "ترامب" ذاته، ويراد من ورائه تجاوز الأمم المتحدة دون قوانين دولية أو أممية.

ووصف عوض لصحيفة "فلسطين"، "مجلس السلام" الجديد بأنه "أداة من أدوات التوتر العالمي" وتعبير عن الهيمنة والتوسع الأميركي في العالم.
بحسب مسودة الميثاق يصف ذاته أنه "منظمة دولية تسعى إلى تعزيز الاستقرار، واستعادة الحكم الرشيد والقانوني، وضمان تحقيق سلام دائم في المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاع"، ويصبح المجلس رسميا بمجرد موافقة 3 دول أعضاء على الميثاق. وسيتولى ترامب أول رئاسة لهذا المجلس، كما سيكون له القرار فيمن تتم دعوتهم للانضمام إلى المجلس الذي تُتخذ -وفق المسودة- قراراته بالأغلبية، بحيث يكون لكل دولة عضو صوت واحد، إلا أن جميع القرارات تبقى خاضعة لموافقة الرئيس.
لكن في غزة، شكك عوض بأهداف "مجلس السلام" كونه يخضع للإدارة الأميركية الشريكة في حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة خلال الأعوام 2025،2024،2023.
وشدد على أن الأجدر من وراء هذا المجلس هو تحقيق تسوية سياسية للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، بدلا من استبدال الحقوق الفلسطينية بوصاية دولية أو فصل غزة عن الضفة وتفكيك المجتمع الفلسطيني وإنهاء حلم الدول الفلسطينية.
وقال: لا تزال الأمور ضبابية جدا، ويمكن أن تفرغ (إسرائيل) المرحلة الثانية من أهدافها بمعية الإدارة الأميركية.
لكن، وفق توصيات عوض فإن يجب أن يكون هناك ضغط حقيقي من الوسطاء لاتفاق غزة (مصر، قطر، تركيا) على الإدارة الأميركية لإجبار (إسرائيل) على تنفيذ المرحلة الثانية بحسب الاتفاق، دفاع عن الحقوق الفلسطينية وليست تلبية للأهداف الإسرائيلية الأمنية.
"تقسيم المقسم"
في المقابل، يرى الكاتب والمحلل السياسي كامل حواش أن الهدف الأساسي من وراء إنشاء "مجلس السلام" هو تقسيم الأراضي الفلسطينية سواء غزة أو الضفة.
واستدل حواش في حديثه لـ"فلسطين" أنه لا ضرورة لهذا المجلس ولجانه المنبثقة عنه، بل يجب أن يركز هذا المجلس على غزة والمتطلبات الإنسانية وإعادة الإعمار وتثبيت وقف الإبادة الإسرائيلية والمجازر اليومية.

وأعلن وزير الخارجية الأمريكي ستيف ويتكوف في وقت سابق من الشهر الجاري، انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وهي المرحلة الأكثر تعقيدا، ليعلن البيت الأبيض لاحقا اعتماد تشكيلة "اللجنة الوطنية لإدارة غزة/ لجنة تكنوقراط" وتشكيل أعضاء "مجلس السلام"، "قوة الاستقرار الدولية"، ولاحقا ألحقها بهيكل رابع تحت مسمى "المجلس التنفيذي لغزة".
وعبر عن تخوفه من الأطماع الإسرائيلية والأميركية في غزة دون التطرق لحقوق سكانها أو حقوق الشعب والتسوية السياسية العادلة للقضية الفلسطينية.
وتكرارا يطرح ترامب خطة "تحويل القطاع إلى وجهة سياحية عالمية باسم "ريفييرا الشرق الأوسط".
وقال: هناك غياب كامل للفلسطينيين جراء الترتيبات الإسرائيلية – الأميركية الجديدة، والسلطة مغيبة تماما وهذا ما سيدفع ترامب لتطبيق هذه المجالس على الضفة الغربية بدلا عن السلطة.
وبحسب تقرير لـ"معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" أعدّه مجموعة من مستشاري الرئيس ترامب، المنخرطين في متابعة ملف غزة ما بعد الحرب، يتضمن تقييما غير مسبوق لمستقبل السلطة الفلسطينية، ويخلص إلى أن السلطة، بصيغتها الحالية، لم تعد تُعامل في بعض الدوائر الرسمية المؤثرة كخيار قابل للاستمرار.
ويخلص التقرير إلى أن مستشاري الرئيس ترامب لديهم قناعة مطلقة بضرورة استنساخ نفس النموذج لإدارة الضفة الغربية عبر تشكيل لجنة من التكنوقراط الفلسطينيين لإدارة وقيادة الضفة الغربية.
ولذلك شدد حواش على ضرورة وجود دعم عربي وإسلامي دولي للحقوق الفلسطينية، ورفض الحلول الإسرائيلية والأميركية البديلة عن تلك القوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة.

