أعاد طرح إدخال البيوت المتنقلة «الكرفانات» إلى قطاع غزة، في ظل الدمار الواسع الذي خلّفته حرب الإبادة الجماعية، فتح نقاش واسع حول جدوى هذا الخيار، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تحوّله إلى حل دائم يستنزف أموال الإغاثة دون أن يضع القطاع على مسار إعادة إعمار حقيقية، وسط تقديرات بتكاليف باهظة تصل إلى ملايين الدولارات.
ويُروَّج للكرفانات بوصفها حلًا إنسانيًا عاجلًا لإيواء آلاف العائلات التي فقدت منازلها، إلا أن خبراء اقتصاديين يرون أن هذا الخيار، رغم أهميته الطارئة، لا يعالج جذور الأزمة، ولا يحقق أي أثر اقتصادي مستدام، خاصة في ظل غياب أفق سياسي واضح وجدول زمني ملزم لإعادة الإعمار.
تكلفة مرتفعة وحل غير مستدام
وتبرز الإشكالية الاقتصادية للكرفانات عند النظر إلى كلفتها العالية، سواء من حيث التصنيع أو النقل أو تجهيز البنية التحتية من مياه وكهرباء وصرف صحي، إذ تشير تقديرات إلى أن تكلفة الكرفان الواحد قد تقترب من كلفة بناء وحدة سكنية دائمة في حال توفرت الظروف المناسبة، ما يجعل توجيه أموال الدعم لهذا الخيار نوعًا من تبديد الموارد في حلول مؤقتة.
وأكد المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر أن البيوت المتنقلة طُرحت كخيار مؤقت خلال فترات التهدئة، خاصة بعد يناير الماضي، لكنها لم تُنفذ بسبب التعنت الإسرائيلي واستئناف العمليات العسكرية.
وقال أبو قمر لصحيفة "فلسطين": إن «رفض الاحتلال إدخال الكرفانات يمثل عائقًا أساسيًا، ويؤكد هشاشة هذا الخيار وعدم إمكانية اعتباره بديلًا عن إعادة الإعمار الشامل»، مشيرًا إلى أن غياب موقف إسرائيلي واضح حتى الآن يجعل الاعتماد على هذا الحل غير مضمون.
وأوضح أبو قمر أن الاعتماد على الكرفانات في منتصف فصل الشتاء يطرح تحديات إضافية، مؤكدًا أن الكرفان، رغم كونه أفضل من الخيمة، لا يمكن أن يكون حلًا طويل الأمد لإسكان المواطنين الذين فقدوا منازلهم.
وشدد على أن إعادة الإعمار لا تقتصر على بناء الوحدات السكنية، بل تشمل إعادة تشغيل المصانع، وتأهيل المزارع، واستعادة القطاعات الخدمية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على تحسن المؤشرات الاقتصادية العامة في غزة.
وبيّن أن معدلات البطالة في القطاع تجاوزت 80%، فيما ارتفعت نسبة الفقر إلى أكثر من 93%، مع اعتماد نحو 95% من السكان على المساعدات الإنسانية، لافتًا إلى أن إعادة الإعمار الشاملة كفيلة بتوفير فرص عمل مستقلة، وخفض معدلات البطالة والفقر، وتعزيز الدخل المحلي.
وأضاف أن الناتج المحلي في غزة شهد انكماشًا حادًا تجاوز 83% خلال عام 2024، قبل أن يسجل تحسنًا طفيفًا بنسبة 7.8% تقريبًا في 2025، مؤكدًا أن الكرفانات، بحد ذاتها، لا تولد أي عائد اقتصادي، ولا يمكن للمواطنين الاعتماد عليها لسنوات.
معضلة التمويل وارتفاع الأسعار
في السياق ذاته، كشف مدير مكتب الشرق الأوسط في مؤسسة الخير، محمد حسنة، عن وجود عقبات مالية ولوجستية تعيق إدخال الكرفانات، رغم توفر تمويل مخصص من بعض الجهات.
وأوضح حسنة، في منشور عبر صفحته على موقع «فيسبوك»، أن الشركات المصرية تطلب مبالغ مرتفعة مقابل توفير الكرفانات، مشيرًا إلى أن تكلفة الكرفان الواحد تصل إلى نحو 10,500 دولارات، إلى جانب تعقيدات الشحن والتنسيق.
وتقدر الأمم المتحدة، عبر برنامجها الإنمائي، تكلفة إعادة إعمار قطاع غزة بنحو 70 مليار دولار، في ظل دمار طال نحو 90% من البنية التحتية المدنية.
ويرى مختصون أن التركيز على حلول إسعافية كالكرفانات دون إزالة الركام، وبناء المساكن الدائمة، وإعادة تشغيل الاقتصاد، لن يحقق أثرًا حقيقيًا، وقد يسهم في تكريس واقع هش يُستخدم لاحقًا كأداة ضغط وتهجير.
وأكد أبو قمر أن إعادة الإعمار الشاملة تمثل ضرورة وطنية واقتصادية، وتعزز صمود المواطنين وتفشل محاولات التهجير التي تروج لها الحكومة الإسرائيلية، مشددًا على أن الكرفانات يجب أن تبقى حلًا مؤقتًا عاجلًا، لا بديلًا عن إعمار يعيد الحياة الاجتماعية والاقتصادية إلى قطاع غزة.

