فلسطين أون لاين

خرائط إعادة الإعمار أم مشروع سيطرة؟..

قراءات فلسطينية تحذّر من أهداف "غزة الجديدة"

...
كوشنر يستعرض تفاصيل الخطة الرئيسية لـ "غزة الجديدة"
غزة/ عبد الرحمن يونس:

أثارت خرائط وتصورات طرحتها الإدارة الأمريكية تحت عنوان “غزة الجديدة”، بدعوى إعادة إعمار القطاع بعد حرب الإبادة المستمرة، موجة تحذيرات فلسطينية من كونها تتجاوز البعد الإنساني والعمراني، لتندرج ضمن مشروع سياسي–أمني يعيد تشكيل قطاع غزة جغرافيًا وديموغرافيًا بما يخدم المصالح الإسرائيلية، ويقوّض الحقوق الوطنية الفلسطينية.

وأكد مدير المركز الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، الدكتور رامي عبدو، أن الخطة الأمريكية لا يمكن التعامل معها كمبادرة اقتصادية منفصلة، بل تمثل جزءًا من مخطط متكامل يستهدف تفكيك البنية الفلسطينية في غزة، عبر إعادة هندسة جغرافية قسرية تُقسّم القطاع إلى مناطق معزولة، وتُخضع ما تبقى منه لمنظومة سيطرة أمنية إسرائيلية عبر المعابر والبنية التحتية.

وأوضح عبدو، لصحيفة "فلسطين"، أن الخرائط المقترحة تبتلع مساحات واسعة من أراضي القطاع، خصوصًا في الشمال والشرق، وتحول غزة إلى كيان مفكك منزوع الإرادة، تُدار وظائفه الاقتصادية والخدمية بما يخدم الاحتلال، في مسار يبدأ بتغيير الهوية الوطنية، ولا ينتهي عند شطب حق العودة وتعطيل دور المؤسسات الأممية.

0P4e4.jpg
 

واعتبر عبدو أن هذه الرؤية تمثل امتدادًا لمشاريع تصفوية سابقة، تسعى إلى تحويل غزة إلى “منطقة خدمات” خاضعة أمنيًا، واصفًا الخطة بأنها أشبه بـ”نماذج تقنية واهية” تتجاهل طبيعة الاحتلال الاستئصالي الذي لا يعترف بحقوق السكان الأصليين.

من جانبه، رأى الباحث في الشأن السياسي الفلسطيني باسل خلف، أن الأسس التي تقوم عليها الخطة الأمريكية غير واقعية، لأنها تتعامل مع غزة كفراغ جغرافي بلا تاريخ أو هوية، مؤكدًا أن رغبة الفلسطينيين في إعادة الإعمار لا تعني القبول بإعمار مفروض يتناقض مع حقوقهم واحتياجاتهم الوطنية.

وأشار خلف، في حديث إعلامي تابعته فلسطين، إلى أن الخرائط تكشف بوضوح هدف إعادة الهندسة الديموغرافية للقطاع، عبر إفراغ مناطق محددة وإعادة توزيع السكان وفق اعتبارات أمنية إسرائيلية، لافتًا إلى أن التدمير الواسع للمنازل وتجريف الأراضي ليس نتاج الحرب فقط، بل تمهيد لفرض هذه الرؤية كأمر واقع.

بدورها، حذّرت الباحثة في قضايا الإعلام والقانون الدولي الإنساني سجود عوايص من البنية الفكرية التي تقف خلف الخطة، معتبرة أنها امتداد لعقلية “صفقة القرن”، حيث تُختزل القضايا الوطنية في مشاريع استثمارية، ويُتعامل مع غزة كصفقة عقارية لا كوطن مأهول بشعب له حقوق غير قابلة للتصرف.

وأوضحت عوايص، في قراءة تحليلية تابعتها فلسطين، أن الطرح الأمريكي يتعامل مع القطاع كـ”أرض بلا شعب”، متجاهلًا الذاكرة الجمعية وحقوق الملكية، ومحذّرة من أن المقاربة الاقتصادية تُستخدم غطاءً لسياسات تهجير قسري، عبر نقل الثقل السكاني وطمس مخيمات اللاجئين وإسقاط رمزيتها السياسية.

وأضافت أن ربط غزة الكامل بالبنية التحتية وسلاسل التوريد الإسرائيلية يُفقدها أي مقومات للسيادة، ويحوّلها إلى كيان تابع اقتصاديًا وأمنيًا، خاضع لشروط الاحتلال.

وتتقاطع هذه المواقف في التأكيد على أن خطة “غزة الجديدة” ليست مشروع إعمار محايدًا، بل رؤية اقتصادية–أمنية تهدف إلى تأمين إسرائيل، وتصفية القضايا الجوهرية للصراع، وفي مقدمتها قضية اللاجئين وحق العودة، تحت غطاء التنمية والاستثمار.

ويجمع الخبراء على أن هذه الرؤية تتجاهل حقيقة راسخة، مفادها أن الفلسطيني لا يقايض الحرية بالازدهار الاقتصادي، ولا يقبل بإعادة إعمار مشروطة بالتنازل عن حقوقه الوطنية، ما يجعل الخطة محكومة بالفشل، مهما حملت من وعود وشعارات.

وفي المحصلة، تكشف خرائط “غزة الجديدة” عن محاولة لإعادة إنتاج السيطرة بوسائل أقل صخبًا من الحرب، لكنها لا تقل خطورة عنها، في ظل استمرار تجاهل العدالة وحقوق الشعب الفلسطيني، ما ينذر بمزيد من الرفض والمواجهة بدل الاستقرار المنشود.

المصدر / فلسطين أون لاين