أجمع صناعيون واقتصاديون على أن أي تعافٍ اقتصادي حقيقي في قطاع غزة يظل مرهونًا بإعادة تشغيل القطاع الصناعي، والتحول من اقتصاد قائم على الاستهلاك والمساعدات إلى اقتصاد إنتاجي مستدام، في ظل الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب وشلل المنظومة الاقتصادية.
وأكد رجل الصناعة علي الحايك أن التعافي الاقتصادي في غزة لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة عاجلة، داعيًا إلى خطوات فورية لدعم القطاع الخاص وتشغيل المصانع المتوقفة، في وقت تتفاقم فيه البطالة وتتسع دائرة الفقر.
وأوضح أن القطاع الصناعي يشكّل المشغّل الأساسي لمئات العمال وآلاف الأسر التي تعتمد على الدخل الصناعي كمصدر رئيسي للعيش.
وشدد الحايك، لصحيفة "فلسطين"، على أهمية توفير قروض عاجلة لتمويل المشاريع المتعثرة، بما يسهم في إعادة تحريك الدورة الاقتصادية، محذرًا من أن الواقع الاقتصادي الحالي يقتصر على الاستهلاك دون إنتاج فعلي، وهو ما يضع اقتصاد غزة أمام مخاطر جسيمة.
ودعا إلى إعادة بناء المصانع المتضررة، وتوفير المواد التشغيلية الأساسية، مثل مواد البناء والآلات والمعدات، إلى جانب فتح المعابر بشكل دائم، وإلغاء ما يُعرف بـ“التنسيقات”، التي تعيق استيراد المواد الخام وتشلّ النشاط الصناعي.
وأضاف أن فتح البنوك وتمكين القطاع الصناعي من الوصول إلى التمويل يمثلان شرطًا أساسيًا لاستعادة النشاط الاقتصادي وحماية آلاف فرص العمل من الانهيار.
وأكد الحايك أن المرحلة الحالية تتطلب تحركًا عمليًا وجادًا من جميع الأطراف، داعيًا الجهات المحلية والدولية إلى التعاون لإعادة القطاع الصناعي إلى العمل الكامل، بما يدعم الاقتصاد المحلي ويخفف من حدة البطالة والفقر.
من جانبه، قال محمد العصار، أمين سر اتحاد الصناعات الإنشائية، إن القطاع الصناعي بحاجة ماسة إلى تسهيل الحركة وفتح المعابر، لضمان دخول وخروج المواد الخام والمعدات، مؤكدًا أن توفير بيئة عمل آمنة ومستقرة يعد شرطًا أساسيًا لعودة النشاط الصناعي.
وأوضح العصار لـ"فلسطين" أن إنشاء مدن صناعية بعيدة عن مناطق الصراع قد يشكّل حلًا عمليًا لتقليل المخاطر، مشيرًا إلى أن دعم الصناعة يتطلب أيضًا توفير الطاقة اللازمة، ومنح إعفاءات ضريبية على بعض السلع الأساسية، إلى جانب تبسيط الإجراءات المالية والقانونية التي تعيق سير الأعمال.
وشدد على ضرورة تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتسريع وتيرة الإعمار، معتبرًا أن هذه الخطوات كفيلة بإعادة تشغيل المصانع ودفع عجلة التنمية الاقتصادية بوتيرة أسرع وأكثر استدامة.
بدوره، قال عضو نقابة الاقتصاديين الفلسطينيين محمد يزيد الناظر إن الانتعاش الاقتصادي لا يتحقق بمجرد تدفق الأموال أو إطلاق المشاريع، بل يبدأ من الجاهزية المؤسسية والبشرية، بما يشمل كفاءة الإدارة، والأنظمة المالية، والكوادر المؤهلة، والذهنية الاقتصادية السائدة.
وأضاف يزيد لـ"فلسطين" أن التجارب السابقة أثبتت أن غياب الجاهزية يؤدي إلى إهدار الفرص، مؤكدًا أن غزة، رغم محدودية مواردها، مطالبة بتسخير كل الإمكانات المتاحة، من خلال التخطيط المالي السليم، وبناء قواعد بيانات دقيقة، وتعزيز الشفافية ورفع كفاءة الإدارة.
وأشار الناظر إلى أن الاستثمار في الإنسان الغزي، عبر التدريب وبناء المهارات، يشكل حجر الأساس لأي نهضة اقتصادية مستقبلية، داعيًا القطاع الخاص إلى لعب دور شريك فاعل في عملية التعافي، لا مجرد متلقٍ للدعم.
كما شدد على دور مؤسسات المجتمع المدني والنقابات المهنية في تهيئة البيئة الاقتصادية، وتقديم الرؤى، والدفاع عن سياسات اقتصادية عادلة تضمن وصول ثمار التعافي إلى أوسع شريحة ممكنة من المجتمع.
وختم بالتأكيد على أهمية الرقمنة والتحول الإلكتروني، حتى في ظل الظروف الصعبة، باعتبارهما أدوات حيوية لتجاوز القيود الجغرافية، وتحسين الكفاءة، وفتح آفاق جديدة للتشغيل والتمويل.

