بين يدي الحديث:
"قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل..." هذا ما أُمرنا به، وهذا ما أوصانا به ربنا عز وجل في كثير من آيات قرآنه الكريم؛ السير والنظر والتدبر، لا لتطيير (الزهق)، ولا للتندر على من سبق؛ وإنما لاستخلاص الدروس والعبر، فلا نكرر خطأ من سبقونا، فنقع فيما وقعوا فيه، فالعاقل من اتعظ بغيره، ولم يتعلم من كيسه الخاص. وهنا يحضر طيفيين من الناس عند مراقبة أزمة، أو متابعة حدث، أحدهما طيف الشامتين المتربصين، وهذه الطائفة لا شأن لنا بها، ولا مصلحة في نقاشها أو مناظرتها. أما الثانية ـــ حتى لو اختلفت معها أو اختلفت معك ـــ فهي تلك الطائفة الباحثة في متابعتها للأزمات والحوادث والمواقف، عن درس هنا أو فائدة هناك، (تنكش) ما بين السطور والصور، بحثاً عما يقيها سوء العاقبة والمنقلب، فلا تكرر خطأ من سبق، فتقع كما وقعوا، وتخسر كما خسروا. من هنا تأتي هذه الورقة، وعلى عجالة لتحصي وتَعد، بعضاً من الدروس والعبر، والمعالم التي خلفتها الأزمتين الأخيرتين، والتي وقعت أحدها في نصف الكرة الأرضية الغربي، عنينا بها أزمة فنزويلاً، والثانية التي ما زلنا نعيش ارهاصاتها في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ومع أننا نعتقد أن كلا الأزمتين لم تُكتب الكلمة الأخيرة في ملفاتها، إلّا أن هذا لا يعفينا من البحث عن فوائد، ودروس مما شهدته هاتين الدولتين من أزمات حتى الآن.
راجين أن يساعد هذا البحث في إثراء الأفكار، واستنهاض الهمم، للبحث في الدروس والعبر الممكن استخلاصها ــ وهي كثيرة ـــ من أهم حدث شهدته منطقتنا خلال الخمسين سنة الماضية، عنينا به معركة "طوفان الأقصى" الذي كان سبباً في (نعف) كثير من المسلمات والمفاهيم، فضلاً عن الجغرافيات والهيكليات.
المعالم الكلية:
1. معرفة العدو:
إن أول الدروس الممكن استخلاصه مما حضر من مواقف وأزمات، هو درس معرفة العدو؛ نقاط قوته وضعفه، ومكامن الضرر فيه، فكيف نواجه عدواً لا نعرفه، وليس لدينا تصوراً واضحاً عنه. وهنا يفطن البعض للعدو الظاهر بائن العداء، ويتعامون، أو لا يدققون في الأعداء المخفيين المستترين تحت عباءته، والذين قد يكون بعضهم من بنى جلدتنا، والناطقين بلساننا، نغفل عنهم فلا نعدهم من الأعداء، لذلك نؤتى من حيث لا نحتسب، ونهاجم من حيث لا نتوقع، فنسقط أسرع مما كنا نظن ونحسب!
2. معرفة الذات:
لازمة معرفة العدو؛ معرفة الذات، ونقاط قوتها وضعفها، ومكامن ضررها، فنضاعف الأولى، ونقوي الثانية، فضلاً عن ستر الثالثة، إن معرفة الذات تنعكس بشكل مباشر في وضع مسارات تطوير القدرات، وترتيب الأولويات، فضلاً أيضاً عن أثر هذا الترتيب في تخصيص القدرات، وقبل هذا وبعده ومعه، تضع هذه المعرفة الأسس الرئيسية في التعامل مع التهديدات والمخاطر؛ الداخلية منها والخارجية، فلا تخاض معركة في غير وقتها أو مكانها المناسبين، ولا يُسكت عن تهديد؛ فيخرج عن السيطرة.
3. تعريف التهديد والمخاطر الناتجة عنه:
فليس كل إجراء، أو فعل من عدو أو خصم أو منافس، يعد تهديداً يجب التصدي له، أو التعامل مع تداعياته، وعليه ما لم يتم تعريف التهديد والمخاطر الناتجة عنه، فإن الدولة، أو الحركة، بل الشخص المنفرد، سيبقى في حالة من الاستنفار، وشد الأعصاب، والحياة في مربع أزمات لا خروج منه، الأمر الذي يعني استنزافاً للقدرات، وهدراً للطاقات، والبعد كل البعد عن القدرة على اجتراح ما يفيد من طرق عمل وإجراءات.
4. بناء وتطوير القدرات البشرية والمادية الذاتية، ومعرفة كيفية الحفاظ عليها:
بعض الدول، فضلا ًعن الأشخاص يرتضي لنفسه أن يكون تابعاً، منضوياً تحت جناح غيره، معتقداً أنه سيهب لنجدته، ويمد يد العون له، فيغفل عن بناء ذاته، وتطوير قدراته، وفحص كفاءتها، ومستوى مهارتها، فضلاً عن سبل وإجراءات حمايتها، وعندما (تقع الفاس في الراس)؛ ويخرج التهديد إلى حيز الفعل؛ لا يجد ما يقيه شر الأشرار، أو يدفع به كيد الطامعين الفجار، فيصرخ؛ فلا يجد إلا رجع الصدى، فــ(العليق يوم الغارة ما بنفع)، عندها يقع نهباً للمعتدين، ولا يجد فيمن اتكل عليهم من معين!!
5. تحصين ورفع مناعة الجبهة الداخلية:
فهي الحصن الأول والأخير ــ بعد الله سبحانه عز وجل ــ الذي يُلاذ به، ويُلجأ له، ومن أهم سبل ووسائل التحصين، ورفع المناعة؛ معرفتك، وقربك، وحبك، لهذه الحاضنة في أيام الرخاء، عندها فقط ستعرفك، وتحتضنك، وتعطف عليك يوم الشدة، أما نسيانها عند المغانم، والفطنة لها عند المغارم، فهي أسهل وصفة لتخليها عنك، وإسلامك لقدرك، وما يخططه الأعداء ضدك.
6. إظهار الإرادة الحقيقية للتعامل مع المخاطر والتهديدات، الداخلية والخارجية:
فإظهار العزم والإرادة الحقيقية، وقرن هذا الإظهار بقرائن وشواهد مادية دالة على صدق العزيمة، نحسب أنها من أهم الإجراءات التي يمكن أن تمنع وقوع الاعتداء، أو على أقل تقدير تأخيره، أو تأجيله إلى زمن آخر، الأمر ــ التأخير أو التأجيل ــ مطلوبٌ لذاته، لما يوفره من مساحة زمنية مطلوبة لحشد القدرات، وتعبئة الطاقات، أو تفعيل الحديث الدبلوماسي والوساطات، لإنهاء حالة التشنج والعداء، فضلاً عن دفع التجاوز والاعتداء.
7. حماية مراكز الثقل البشرية:
فهي مركز الأعصاب، والعقل الذي يدير الأزمة، وفي حالة فقدانه، أو اختلاله، أو فرض حالة من اللااستقرار عليه، إن مثل هذه الحالة يعني الخروج من حالة الهدوء والرأس البارد، المطلوب لعملية التفيكر المنظم، التي تعد من أهم لوازم إدارة الأزمة، والتعامل مع تداعياتها. لذلك يحرص العدو على تحقيق المفاجأة الاستراتيجية التي ينهي فيها مراكز الثقل هذه؛ بالقتل والتحييد الفيزيائي، أو على أقل تقدير، التضييق عليها، وسلبها حرية الحركة والمناورة؛ الفكرية أو العملية.
8. بناء القدرات البشرية والاستثمار فيها، من أصغر حلقة إدارية، حتى أعلى طبقة قيادية:
حتى لا يحدث خلاً في سلاسل القيادة وإدارة الأعمال وتسلسلها، وفي مختلف المستويات؛ الاستراتيجية أو العملياتيه أو التكتيكية. يجب الحرص على بناء مؤسسات عمل فيها من القدرات البشرية ما يمكّنها من تعويض النقص، وملئ الفراغات، وتعزيز نقاط الضعف، فلا تتوقف المؤسسة عن الفعل، ومواكبة تطور الموقف وتداعياته، فضلاً عن استحالة شلها من قبل عدوها، لما تملكه من قدرات وطاقات قادرة على الترميم وإعادة البناء.
9. ترتيب الأولويات، وتخصيص القدرات في إدارة الأزمة ومواجهة التحديات:
إن لازمة التشغيل الكفؤ، والفاعل، والمناسب للقدرات ــ بشرية أو مادية ــ ومن ثم تخصيصها في أوقات الأزمات هو: ترتيب الأولويات، فليس هناك كائنٌ، حقيقي أو حقوقي مطلق الطاقات، وغير محدود الإمكانات، فهو قوي وحاضر وعلى جاهزية عالية في كل مكان وزمان، فمثل هذا الكائن غير ممكن الوجود، فضلاً عن استحالة إيجاده، لذلك وحتى لا تهدر الطاقات، وتبدد الإمكانات؛ لا بد من ترتيب الأولويات وتخصيص القدرات عند وقوع الأزمة، أو ظهور التهديد، حيث يتوقف هذا الترتيب أولاً وأخيراً على معرفة العدو، ثم الذات، ثم نوع التهديد والمخاطر الناتجة عنه، وفي غير هذه الصورة ــ المعرفة ـــ فلا يمكن القدرة على ترتيب الأولويات، أو تخصيص القدرات.
10. بناء السردية وتصدير الصورة الحقيقة، كأهم أداة في قتل الإشاعة والدعاية العدائية:
نحن نعيش في عصر حروب الجيل الخامس، وهي حروب وأزمات؛ سياسية وعسكرية، تنقل على الهواء مباشرة، وتنتشر أخبارها وصورها، أسرع من النار في الهشيم، هي حروب على الوعي، قبل أن تكون على الأرض والمقدرات، فإن كُسبت في الأذهان؛ تم النصر فيها على الأجسام والأبدان، حروب إن لم يواكبها المُعتدى عليه بتحضير سرديته، وأجوبته على ما يستجد فيها من مواقف؛ ستأكل الإشاعات عقول وقلوب ونفوس جنوده قبل حاضنتهم الشعبية، لذلك يجب مواكبة الإجراءات التعبوية، بإحاطات معلوماتية وإخبارية حقيقية؛ مقروءة ومرئية، حتى لا تذهب الحاضنة الشعبية، والقدرات النظامية، نهباً للرواية الأجنبية.
11. الرصد والتحليل والقراءة المنطقية غير الرغائبة:
ثم لا بد من أن يواكب الأزمة، أو الموقف محل المتابعة عمليات رصد، وتسجيل، وحفظ لكل شاردة وورادة لها علاقة به، حتى تُخضع للدراسة والتحليل؛ أثناء الأزمة أو الموقف، أو بعد طي صفحاته، لاستخلاص العبر والدروس مما نحن فيه، تحضيراً لما نحن مقبلون عليه، فلا نكرر خطأ ارتكب، أو إجراء غير مجدٍ جُربّ.

