فلسطين أون لاين

#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة

﴿وَإِذا مَرِضتُ فَهُوَ يَشفينِ﴾ (الشعراء: 80)

في محرقة غزة، حيث تحترق أنفاس الحياة، تُدمر المنظومة الصحية كما تُدمر الأرواح، ويُقتل الأطباء كأنهم شهداء في معركة لا هوادة فيها بين الحياة والموت، بين الإيمان والظلم الجائر. 23 مستشفى تحولت إلى ركام صامت، والجرحى والمرضى حُصروا خلف بوابات مغلقة، بينما يتسلل الموت بصمت بين القلوب. أكثر من ألف طفل ماتوا في حضن أمهاتهم، وألوف من الأحلام تُسحق تحت وقع الإبادة. هنا لا مكان للأمل إلا في وعد الله، الذي يثبت أن النصر للمؤمنين مهما ظن الظالمون أنهم ألهة لا تُقهر.

غزة ليست مجرد أرض، بل هي جبل من الصبر الأسطوري، رسالة الحياة في وجه الموت، وإرادة شعب لا يلين، يحمل في قلبه نورًا لا يُطفأ، ويعلن للعالم: مهما قصفت السماء وأرخت الأرض دمًا، فإن الله لن يترك عباده الصابرين، وسيجعل من ظلام المحرقة فجرًا جديدًا لا غروب له.

المنظومة الصحية في غزة محروقة بالكامل. من بين 38 مشفى، تم تدمير وإخراج 23 منها بالكامل من الخدمة، والباقي يعمل بشكل جزئي. ارتُكبت المجازر الجماعية في المشافي، وغدت مقرات لمقابر جماعية. من الكادر الصحي، قُتل 1,580 شهيدًا، من مجموع أكثر من 70,000 شهيد، بينهم 18,000 طفل مسجل رسميًا بالاسم، فضلًا عن أكثر من 10,000 مفقود.

المصادر الأكاديمية والمنظمات الحقوقية تشير إلى أن عدد العاملين في المجال الصحي المحتجزين لدى إسرائيل يصل إلى نحو 300–362 معتقلًا، وقد تعرّض بعضهم لأشكال تعسّف واحتجاز طويل الأمد دون توجيه اتهامات رسمية، بما في ذلك أطباء وأخصائيين صحيين.

فاقمت الأزمة احتلال معبر رفح وإغلاقه، وحصار مطبق منع خروج الجرحى والمرضى. يحتاج 25,000 جريح للخروج من أصل 169,780 جريحًا، ولم يخرج سوى بضع عشرات من المرضى عبر معبر كرم أبو سالم. الأوبئة المنتشرة بسبب قطع المياه، وتدمير الصرف الصحي، وعدم توفر بيئة نظيفة وتعقيم، حرمت 2,000,000 فلسطيني من الخدمة الصحية، منهم 51,000 حامل و12,000 مريض سرطان، فضلًا عن 100,000 مريض ماتوا بصمت، ومنهم 180 طفلًا وُلدوا وماتوا في المحرقة.

حاولت المشافي الميدانية، المتواضعة الإمكانات والتي لا تملك كادرًا خاصًا بها، سد العجز، لكن عصابات الإبادة منعت دخول كادر طبي من خارج غزة. لم تملك هذه المشافي المقدرات الكافية لتغطية شيء من العجز، إذ لم يكن هناك مدد طبي، ولا حماية للمؤسسات الصحية، ولا إدخال للمحروقات، مما أدى إلى ضعف مساهمتها في إسناد المنظومة الصحية.

النمرود قد نصب نفسه إلهًا يُحيي ويميت، مثل فرعون الذي قال: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} (القصص: 38)، فكانت عاقبته {بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} (البقرة: 26) من جند الله تبارك وتعالى. ومهما بدت غزة ضعيفة في المحرقة، فإن مقامها عظيم عند الله تعالى. قدمت صبرًا أسطوريًا وإيمانًا مطلقًا بقدر الله جل جلاله، وهذا ما يجعلها صامدة في وجه الابتلاء العظيم.

أهل غزة هم الذين كانوا ينعمون بقطاع صحي فاق في تطوره العديد من الدول المحيطة، وخاصةً في مواجهة الأوبئة، حيث وصلت عمليات التطعيم إلى 100%، وكذلك الطب الوقائي ولقاح الأطفال، وانخفضت نسبة الوفيات حتى أصبحت شبه معدومة. ثم جاءت عصابات الإبادة {يُهْلِكُ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} (البقرة: 205)، فدمرت كل مكونات المنظومة الصحية، وأغرقت غزة بالقتل والمرض {وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ} (البقرة: 205).

المصدر / فلسطين أون لاين