فلسطين أون لاين

تحقيق أطفالٌ بين السموم… مكبات النفايات تهدّد النَّازحين والبيئة

...
أطفال فلسطينيون يبحثون في القمامة بالقرب من مكب نفايات في قطاع غزة (رويترز)
غزة/ محمد أبو شحمة

أطفال حفاة، بأجسادٍ نحيلة ووجوهٍ شاحبة، يتنقّلون بين أكوام النفايات العضوية والطبية والصناعية، يبحثون عن بقايا طعام، أو قطع بلاستيك، أو أقمشة بالية، في مشهد يتجاوز الفقر إلى مرحلة الخطر المباشر وتهديد الحياة.

يفتش هؤلاء الأطفال بين أكوام القمامة المتراكمة في منطقة المواصي غرب مدينة خان يونس، دون إدراكٍ لحجم الخطر الذي يقتربون منه ويجلبونه إلى أجسادهم، عبر أمراضٍ وأوبئة كامنة، إذ تشكّل هذه النفايات بيئة مثالية لانتشار العدوى.

وثّق "فلسطين أون لاين" ميدانيًا، ومن خلال متابعة مباشرة وتقييم طبي وتحليل صحي بيئي أجراه الدكتور يامن جمال الأسطل، الباحث والمؤلف المتخصص في تطوّر البكتيريا والمقاومة الجرثومية، الذي تواجد في الموقع وأجرى رصدًا بيئيًا شاملًا للأطفال والسكان المحيطين بالمكب.

وتنتشر في مكب النفايات محاقن طبية، وعبوات أدوية منتهية الصلاحية، ومخلّفات مستشفيات مكشوفة، وقد شوهد أطفال يحملون هذه المواد، ويفتحون عبواتها، ويلعبون بها، في مشهد ينذر بكارثة صحية وبيئية.

6021707100511210396.jpg

وبحسب إحصائية لسلطة المياه وجودة البيئة قبل الحرب، فإن قطاع غزة ينتج نحو ألفي طن من النفايات يوميًا، تشكّل النفايات العضوية منها 65%، فيما تبلغ نسبة البلاستيك 16.1%، والمعادن 3%، والورق 8.1%، والباقي مكونات أخرى تشمل الرمال ومخلّفات الأبنية والزراعة.

مؤشر سريري خطير

ويؤكد الدكتور الأسطل أن هذا المشهد لا يمكن التعامل معه بوصفه حالة فردية أو سلوكًا عابرًا، بل يُعد مؤشرًا سريريًا واضحًا على دخول المجتمع مرحلة «الجوع القسري المرضي»، وهي مرحلة يفقد فيها الإنسان القدرة على التمييز بين الغذاء والقمامة، وبين ما هو صالح للحياة وما هو قاتل.

ويشير إلى أن هذا السلوك ناتج عن نقصٍ حاد ومستمر في الغذاء، وانعدام غاز الطهي ومصادر الطاقة، وغياب منظومة الحماية الاجتماعية والرقابة الصحية، فضلًا عن انعدام البدائل الإنسانية، ما يدفع الأطفال إلى نبش النفايات بحثًا عن بقايا طعام، وجمع المخلفات الصناعية لحرقها، والتقاط ملابس ملوثة لستر أجسادهم، والعبث بالمخلّفات الطبية دون إدراكٍ لحجم المخاطر.

وبحسب التحليل الصحي البيئي، فإن مكب النفايات في المواصي يُعد بيئة مثالية لتكاثر وانتقال الميكروبات، نتيجة عوامل مجتمعة، أبرزها تحلل المواد العضوية، وارتفاع الرطوبة، واختلاط النفايات المنزلية بالمخلفات الطبية، وغياب العزل والتعقيم، والتماس البشري المباشر، لا سيما من قبل الأطفال.

بكتيريا قاتلة وفيروسات كامنة

ويحذّر الأسطل من احتمالية انتشار بكتيريا شديدة الخطورة، أبرزها الإشريكية القولونية (Escherichia coli)، التي قد تسبب إسهالات مائية حادة وفشلًا كلويًا حادًا يُعرف بمتلازمة الانحلال الدموي اليوريمي، إضافة إلى السالمونيلا (Salmonella) المسببة للتسمم الغذائي وتجرثم الدم، والشيغيلا (Shigella) التي تؤدي إلى زحار شديد وجفاف مهدّد للحياة، إلى جانب بكتيريا الكلوستريديوم (Clostridium) المرتبطة بالتسمم الغذائي والكزاز والغرغرينا.

6021707100511210397.jpg


كما حذّر من فطريات خطيرة مثل الرشاشيات (Aspergillus) والمبيضات (Candida)، وطفيليات معوية تشمل الإسكارس (Ascaris lumbricoides)، والديدان الخطافية، والجيارديا (Giardia lamblia).

ويشير التحليل البيئي كذلك إلى احتمالية انتشار فيروسات خطيرة في محيط المكب، من بينها فيروس الروتا (Rotavirus)، أحد أبرز أسباب الإسهال الحاد ووفيات الأطفال، ونوروفيروس (Norovirus) شديد العدوى في البيئات المكتظة، والفيروس الغدي المعوي (Enteric Adenovirus).

كما تشمل المخاطر فيروسات الإنفلونزا، والفيروس المخلوي التنفسي، وفيروسات التهاب الكبد الوبائي (أ) و*(هـ)* المنقولة عبر الطعام والمياه الملوثة، إضافة إلى التهاب الكبد (ب) و*(ج)* المرتبطين بالمخلفات الطبية والدم، فضلًا عن فيروس نقص المناعة البشرية.

ويؤكد الأسطل أن سوء التغذية يضاعف شدة الإصابة، ويحوّل أمراضًا بسيطة يمكن علاجها إلى حالات قاتلة، في ظل غياب الرعاية الصحية.

ويضيف أن هذه السلوكيات تعرّض الأطفال لمخاطر جسيمة، تشمل التسممات الدوائية، والجروح والوخز بالإبر، وانتقال فيروسات قاتلة، والتعرّض لبكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية.

كما يؤدي حرق هذه المخلفات، بحسب الأسطل، إلى انبعاث مواد شديدة السمية مثل الديوكسينات والفورانات والجسيمات الدقيقة، التي تزيد من أمراض الجهاز التنفسي والربو، وتتسبب في تلف عصبي وتأخر النمو العقلي لدى الأطفال، واضطرابات هرمونية، وارتفاع خطر الإصابة بالسرطان بنسبة قد تصل إلى 40%.

ويخلص إلى أن ما يحدث في المواصي ليس مجرد فقر أو حرمان، بل «عملية استنزاف ممنهجة لأجساد الأطفال ومناعتهم وحياتهم، في بيئة تُنتج المرض كما تُنتج القمامة».

تلوث الآبار الجوفية

من جهتها، أكدت منسقة شبكة المنظمات البيئية الفلسطينية، عبير البطمة، أن انتشار المكبات العشوائية في مناطق النزوح أثّر بشكل مباشر على نوعية النفايات، نتيجة غياب الفصل بين النفايات المنزلية والطبية، ما فاقم المخاطر البيئية والصحية.

وقالت البطمة، لـ"فلسطين أون لاين"، إن عصارة النفايات الناتجة عن هذه المكبات وصلت إلى الآبار الجوفية، ما أدى إلى تلوثها، مؤكدة أن الفحوصات أظهرت وجود تلوث بكتيري في مصادر المياه.

البطمة.jpg

منسقة شبكة المنظمات البيئية الفلسطينية، عبير البطمة


وأضافت أن التأثيرات المباشرة شملت تلوث المياه والتربة، وانتشار الأمراض الجلدية والتنفسية، وتكاثر البعوض، بسبب تمركز المكبات قرب تجمعات النازحين ومراكز الإيواء.

وشددت على أن هذا الواقع يشكّل انتهاكًا واضحًا لحقوق الإنسان، نتيجة تعريض السكان لمخاطر صحية جسيمة في ظل غياب المعالجة السليمة للنفايات.

دراسة ميدانية

وكشفت دراسة ميدانية حديثة أجرتها شبكة المنظمات البيئية الفلسطينية عن تدهور خطير في نوعية المياه الجوفية المستخدمة في مناطق النزوح الساحلية بقطاع غزة، محذّرة من تصاعد التلوث البكتيري وارتفاع الملوحة إلى مستويات تفوق المعايير الصحية المحلية والدولية.

وبيّنت الدراسة، التي حصل عليها "فلسطين أون لاين"، واستندت إلى ثلاث جولات من أخذ عينات المياه خلال الفترة بين أكتوبر 2024 وأبريل 2025، أن عدد الآبار الملوثة بالبكتيريا القولونية ارتفع من ستة آبار في الجولة الأولى إلى تسعة آبار ملوثة من أصل 16 بئرًا عاملة في الجولة الثالثة.

6021707100511210398.jpg

كما أظهرت النتائج أن مستويات الملوحة تجاوزت بشكل كبير الحدود المسموح بها لمياه الشرب، حيث قاربت بعض العينات ملوحة مياه البحر، مؤكدة أن عمق الآبار لم يعد عامل حماية في ظل النفاذية العالية للتربة الرملية والضخ المكثف.

وأشارت الدراسة إلى أن الضخ الجائر لتلبية احتياجات مخيمات النزوح سرّع من تداخل مياه البحر مع الخزان الجوفي، ما فاقم تدهور جودة المياه، وانعكس بشكل مباشر على صحة السكان، عبر ارتفاع حالات الإسهال، والتهاب الكبد الفيروسي، والأمراض الجلدية.

تحذير أممي

بدوره، أكد أليساندرو ماراكشي، مدير مكتب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في غزة، أنهم يعملون على البحث عن حلول لهذه الأزمة.

وقال ماراكشي، وفق بيانات منشورة على موقع الأمم المتحدة: «نحن مستعدون، بالتعاون مع متعاقدين، لنقل النفايات، وننتظر فقط الضوء الأخضر لنقلها إلى موقع بديل مؤقت قرب مدينة غزة، في ظل تعذر الوصول إلى مكبي النفايات الرئيسيين، وهذه أولويتنا القصوى حاليًا».

6021707100511210395.jpg

 مدير مكتب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في غزة، أليساندرو ماراكشي

وأوضح أن البرنامج ينسق مع مجموعة عمل البنية التحتية، ويقود جهود إدارة النفايات الصلبة بالتعاون مع عدد من الشركاء، مؤكدًا أنهم يعملون في جنوب القطاع بالتعاون مع اليونيسف ووكالة الأونروا وشركاء آخرين، لضمان جمع النفايات والتخلص منها بشكل سليم، مضيفًا: «نأمل أن نتمكن قريبًا من نقلها إلى مكب صحي مناسب».

المصدر / فلسطين أون لاين