فلسطين أون لاين

من التهويد إلى الخوارزميات: قراءة في اتفاقية "واشنطن-تل أبيب" في القدس

شهدت الأشهر الماضية تصاعدًا في المشاركة الأمريكية في استهداف القدس المحتلة، فمن مشاركة وزير الخارجية الأمريكي في افتتاح "نفق الحجاج" التهويديّ، مرورًا بأداء كوشنير وويتكوف للطقوس اليهودية أمام حائط البراق المحتلّ، وليس أخيرًا بالتصريحات المتكررة لسفير الولايات المتحدة لدى الكيان، والهجمة المتصاعدة على وكالة الأونروا، وصولًا إلى هدم مقرها الرئيس في القدس المحتلة، والتي تؤكد بمجملها حجم التماهي ما بين الجانبين، تجاه مختلف القضايا.

وفي واحدةٍ من محطات هذا التماهي، وقعت الولايات المتحدة والكيان في 16/1/2026 اتفاقية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، وذلك في بلدة سلوان شرقي القدس المحتلة، في إطار إعلان "باكس سيليكا" الدولي، ووقع الاتفاق عن الجانب الأمريكي وكيل وزارة الخارجية للشؤون الاقتصادية جاكوب هيلبرغ. وفي منشور على منصة شركة "إكس" صرّح وزير خارجية حكومة الاحتلال جدعون ساعر: "اليوم في مدينة داود، وقعنا بيانا مشتركا لإطلاق شراكة استراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة في مجالات الذكاء الاصطناعي والبحث والتقنيات الحيوية، وذلك في إطار مبادرة باكس سيليكا"، وتشكل هذه الاتفاقية حلقة جديدة في هذه السلسلة المتواصلة من الاستهداف والتصعيد، وعلى الرغم من طابعها "التقني" إلا أن مكان التوقيع والتوقيت، يحملان دلالات بالغة الأهمية، نسلط عليها الضوء في هذا المقال.

أولاً: لماذا جرى توقيع الاتفاقية في سلوان تحديداً؟

لم يكن اختيار بلدة سلوان في الشطر الشرقي من القدس المحتلة اختيارًا عشوائيًا، فهو جزء من محاولات الاحتلال فرض السيطرة على بلدة سلوان، التي تُعدّ خاصرة المسجد الأقصى، وهي واحدة من أكثر مناطق شطر القدس الشرقي استهدافًا بمشاريع التهويد ومحاولات السيطرة على منازل الفلسطينيين، وسعي الاحتلال إلى تهجير أهلها، بمختلف الطرق والأدوات، ويحمل توقيع هذه الاتفاقية الاستراتيجية مع الولايات المتحدة في سلوان عدة رسائل.

أولها، تكريس الرواية الاستيطانية: من خلال استخدام الاسم التوراتي "مدينة داود"، وهو الاسم الذي يُطلق على شبكة الأنفاق الممتدة أسفل سلوان، وتصل إلى أسفل المسجد الأقصى، وتُشكل إشارة وزير خارجية الكيان لهذا الفعل، في سياق إضفاء "شرعية سياسية ورمزية" على الرواية الإسرائيلية حول القدس، وربطها بتاريخ ديني مزعوم، في تجاهل كامل لهوية المدينة الحقيقية.

ثاني هذه الرسائل، يتركز في تطبيع العدوان على مناطق القدس المختلفة، من خلال تصعيد المشاركات الأمريكية في المحطات التهويديّة، والتي تتصل بعددٍ من معالم القدس المحتلة، على غرار "نفق طريق الحجاج"، وأداء الطقوس أمام حائط البراق، وأخيرًا توقيع الاتفاقية في سلوان، وهو ما يُشير إلى سعي الولايات المتحدة المضي قدمًا في اعترافها بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، والتعامل حتى مع المناطق المستهدفة بالاستيطان والتهويد على أنها جزء من الكيان، وما يتصل بذلك من تقديم غطاء سياسيّ ضمنيّ لهذه المشاريع التهويديّة.

والرسالة الثالثة إلى الفلسطينيين، في سياق الردع الذي تسعى إليه سلطات الاحتلال، فإن توقيع اتفاقية مستقبلية في مجال الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحيوية في منطقة مهددة بالهدم والتهجير هو إعلان واضح أن التطور التكنولوجي الإسرائيلي يسير جنبًا إلى جنب مع مشروع السيطرة المكانية والديموغرافية.

ثانياً: أبعاد الاتفاقية

على الرغم من الطابع التقني المعلن، إلا أن الاتفاقية تتجاوز التعاون في الذكاء الاصطناعي، إلى تحالف أمني استراتيجي، من خلال ترسيخ الذكاء الاصطناعي كأداة أمنية، وقد صعد الاحتلال من استخدامه خلال حرب الإبادة، وفي تعزيز سيطرته على الأحياء الفلسطينية في الشطر الشرقي من المدينة، فلا تقتصر استخدامات الذكاء الاصطناعي لدى الكيان على المجالات المدنية فقط، بل أصبح أداةً أساسية في أنظمة المراقبة، والتحليل الاستخباراتي، وإدارة السيطرة على السكان، إلى جانب استخداماته في القتل واختيار الأهداف خلال حرب الإبادة، وهو ما يمنح الاتفاق بعدًا عسكريًا، ولو كان بشكلٍ غير معلن.

ولا شك، إن مثل هذه الاتفاقيات، والتي وقعها شخصيات بارزة لدى البلدين، وما تقدمه إدارة ترامب من دعمٍ غير محدود إلى دولة الاحتلال، تأتي هذه الاتفاقيات لتعزيز حضور الكيان في منظومة الأمن الأمريكي، فقد كشفت تصريحات ساعر عن جوانب هذا الاتفاق، فقد أشار إلى أنه يقلل الحاجة إلى قوات برية أمريكية، وتقديم الكيان على أنه "وكيل أمني متقدم" للولايات المتحدة في المنطقة، يعتمد على التكنولوجيا والبيانات والاستخبارات بدلاً من الوجود العسكري المباشر.

فقد قال ساعر في كلمته، التي نقلتها وزارة خارجية الاحتلال: "اليوم تصدر إسرائيل والولايات المتحدة بيانا مشتركا لإطلاق شراكة استراتيجية في مجال الذكاء الاصطناعي والبحوث والتقنيات الحيوية"، وأضاف: "يعد بيان اليوم، دليلا إضافيا على حقيقة لا جدال فيها: فكما أن الولايات المتحدة لا غنى عنها لإسرائيل، فإن إسرائيل تعد ركيزة أساسية لأمريكا ومصالحها الأمنية القومية". وتابع ساعر: "تمكن إسرائيل أمريكا من تأمين هذه المصالح في الشرق الأوسط المضطرب، وهذا يقلل الحاجة إلى وجود قوات برية، نحن نقدم معلومات استخباراتية آنية، وهذا ينقذ أرواح الجنود الأمريكيين".

ومع تصاعد التنافس التقني من الصين، ومحاولات السيطرة على سلاسل التوريد والتكنولوجيا، تعكس مبادرة "باكس سيليكا" توجهًا أمريكيًا لإعادة تشكيل النظام التكنولوجي العالمي في مواجهة الصين، ويشكل الكيان في هذا المسار نقطة ارتكاز إقليمية في هذه الحرب الجيو-اقتصادية، وتفتح الأفق مجددًا لدولة الاحتلال لتكون رائدة تقنية في المنطقة، على أثر انسحاب العديد من الشركات خلال حرب الإبادة، والحروب التي شنها الاحتلال في الأعوام الماضية.

في المحصلة، لا يمكن قراءة هذه الاتفاقية بمعزل عن السياق الدموي والسياسي الذي تعيشه الأراضي المحتلة، وإن اختيار سلوان يُميط اللثام عن الوجه الحقيقي لهذه الشراكة؛ فهي ليست مجرد تعاون تقني بريء، بل هي إعلان سياسي، يروّج للرواية التوراتية من خلال التقنية والذكاء الاصطناعي، ويسعى إلى تعزيز القدس المحتلة على أنها "المختبر التقني" المشترك لواشنطن و"تل أبيب"، ولا ريب بأنها صورة متجددة من تشابك المصالح الأمنية الأمريكية مع الأطماع الاستيطانية الإسرائيلية، ليصبح التقدم التقني مجرد غطاء لواقع استعماري وحشي، يُراد له أن يتمدد من سلوان إلى الأقصى ومن ثمّ على المنطقة بأسرها.

المصدر / فلسطين أون لاين