لا تبدأ حكاية منى النجار من لحظة فقدان ابنها، بل من زمنٍ متجمّد عند جملة لم تفارق ذاكرتها: "اليوم آخر يوم يما."
قالها محمد الفيراني، ابنها الأوسط، ثم خرج. منذ ذلك اليوم، توقّف الزمن عند باب المدرسة التي نزحت إليها العائلة في رفح، وباتت الأم تعيش على سؤال واحد لا يفارقها: هل ما زال حيًا؟
قبل الفقد
منى النجار، من مدينة غزة، كانت تعمل اختصاصية علاج طبيعي في مستشفى الرنتيسي للأطفال غرب المدينة. ومع اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، اضطرت لترك منزلها في حي النصر، والنزوح مع أبنائها إلى المستشفى ذاته، بحثًا عن أي مساحة آمنة.
تقول منى لصحيفة "فلسطين": "ما طلعنا ننجو… طلعنا ندوّر على أقل ضرر."
في التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني 2023، اقتحمت قوات الاحتلال مستشفى الرنتيسي، وأجبرت الطواقم الطبية والنازحين داخله على مغادرته قسرًا.
تحكي منى: "طلعونا بالقوة… ما في وقت ولا خيار."
حملت أبناءها الثلاثة؛ محمد، وأخاه، وأخته، وتوجهت جنوبًا حتى وصلت إلى مدينة رفح، حيث استقرت العائلة داخل مدرسة في حي تل السلطان.
انقطاع الرزق
مع النزوح، فقدت منى عملها، وباتت بلا مصدر دخل. وفي تلك المرحلة، تحمّل محمد، الابن الأوسط، عبئًا لم يكن يُفترض أن يحمله شاب في الثامنة عشرة من عمره.
تقول والدته: "محمد كان يحس بالمسؤولية قبلي."
ذاق محمد مرارة اليُتم في سن صغيرة. ومع اشتداد الحاجة، اعتاد الخروج يوميًا برفقة أصدقائه من رفح باتجاه خان يونس، يجمعون الحطب وبعض البضائع البسيطة، ويبيعونها لتأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش.
"كان دايمًا يحكيلي: يما، مش راح أخليكي تحتاجي شي." تقولها الأم، ثم تصمت.
تحذير أم
في الخامس من فبراير/شباط 2024، قرر محمد الخروج كعادته إلى خان يونس، رغم الاجتياح البري العنيف الذي كانت تشهده المدينة.
تستعيد منى تلك اللحظة: "توسلت له… قلت له: يما تطلعش، الوضع خطر كتير." فيرد: "اليوم آخر يوم يما."
توجه محمد مع أصدقائه إلى منطقة أبراج طيبة غرب خان يونس، حيث كانت طائرات "الكواد كابتر" تحوم على ارتفاع منخفض، وتطلق النار على كل من يتحرك.
استُشهد أحد أصدقائه، وتمكّن آخر من انتشال جثمانه، أما محمد فاختفى. لم يُعثر له على جثة، ولم يُعرف إن كان معتقلًا، أو مصابًا، أو شهيدًا.
شهادة أسير
خلال شهر رمضان، خرج أحد الأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال. وعندما سألته العائلة عن محمد، أكد أنه شاهده داخل السجن، وسمع اسمه، ووصف هيئته بدقة.
تقول منى: "هاي الكلمة خلتني أتمسّك بالأمل."
في اليوم التالي، توجهت الأم إلى الصليب الأحمر ومؤسسة الضمير، لكنها تلقت ردًا واحدًا: لا توجد أي معلومات.
أُبلغت بأن هناك أسرى محتجزين داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي دون تسجيل رسمي، ولا يُسمح بالكشف عن أسمائهم أو أماكن احتجازهم.
بحث بلا نهاية
لم تتوقف منى عن السؤال. مع كل أسير محرر، كانت تلاحقه بسؤال واحد عن محمد. أحدهم قال إنه سمع باسمه أثناء التنقل بين السجون.
وخلال الهدنة الأولى، وبعد انسحاب جيش الاحتلال من بعض المناطق، جرى انتشال جثامين من مقابر جماعية في خان يونس، ونُقلت إلى مستشفيي شهداء الأقصى والأوروبي.
ذهبت منى، كما عشرات الأمهات، تبحث عن أي علامة: بلوزة، حذاء، ملامح… لكن محمد لم يكن هناك.
مكان فارغ
تقول الأم: "محمد كان خفيف دم… البيت بعده فاضي. هو اللي كان يشيل عني مسؤولية الصرف."
حتى اليوم، تتابع منى مجموعات المفقودين والمختفين قسرًا، تلاحق الأخبار، وتنتظر أي إشارة.
تقول بثبات موجع: "مش قادرة أقول إنه استشهد… عندي أمل يرجع، وأضمه بحضني من جديد."
قصة محمد واحدة من آلاف القصص المفتوحة في قطاع غزة.
وبحسب تقارير حقوقية فلسطينية ودولية، يُقدَّر عدد المفقودين منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 بما لا يقل عن 8 آلاف شخص، فيما ترفع جهات أخرى الرقم إلى أكثر من 11 ألفًا، ويشمل ذلك أشخاصًا فُقدوا خلال الاجتياحات البرية، أو الاعتقالات الميدانية، أو ما زالوا تحت الأنقاض.
وتشير منظمات حقوق الإنسان إلى أن آلاف الفلسطينيين معتقلون دون تسجيل رسمي، ولا تُعلن أسماؤهم أو أماكن احتجازهم، ما يضعهم في خانة الاختفاء القسري، في انتهاك صريح لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني.