كشف تقرير نشره موقع "ميدل إيست آي" أن منظمة "محامون بريطانيون من أجل إسرائيل" (UKLFI) صعّدت من تحركاتها القانونية ضد مؤسسات وأكاديميين في المملكة المتحدة، لملاحقة الأصوات المتضامنة مع الفلسطينيين.
وبحسب التقرير، طالت هذه التحركات مؤخرًا أكاديميين بريطانيين كانا يستعدان للمشاركة في ندوة إلكترونية حول الإسلاموفوبيا والصحة النفسية، نظمتها الجمعية البريطانية للعلاجات السلوكية والمعرفية (BABCP)، وهي جهة مهنية بارزة في مجال العلاج النفسي بالمملكة المتحدة.
ففي أغسطس/آب 2024، دُعي كل من غزالة مير، أستاذة في كلية الطب بجامعة ليدز، وطارق يونس، المحاضر الأول في علم النفس بجامعة ميدلسكس، لتقديم ندوة متخصصة حول تأثير الإسلاموفوبيا على الصحة النفسية، وأهمية عدم تفاقم الصدمات التي يتعرض لها المرضى المسلمون داخل منظومة الرعاية الصحية.
وأوضح يونس، أن الهدف من الندوة كان فتح نقاش مهني حول الآثار النفسية للتمييز، مشيرًا إلى أن مقالًا ترويجيًا للفعالية نُشر في المجلة الرسمية للجمعية وعلى موقعها الإلكتروني، وتضمّن توصيفًا لما يجري في غزة بأنه "إبادة جماعية"، وهو ما لم يُواجه اعتراضًا في البداية.
غير أن الإعلان عن الفعالية أثار شكاوى من عضو وآخر غير عضو في الجمعية، اتهماها بالترويج لما وصفاه بـ"دعاية يسارية متطرفة". ورغم أن الجمعية لم تجد مبررًا أوليًا لسحب المقال، فإن تدخل منظمة UKLFI غيّر مسار القضية.
فقد قدّمت المنظمة شكوى رسمية مدعومة بملف من 23 صفحة تضمّن منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي منسوبة للأكاديميين، زعمت أنها تتضمن محتوى "معادياً للسامية" – وهو ما نفاه مير ويونس بشدة.
وبعد تصاعد الضغوط، سحبت الجمعية المقال المنشور، كما قدّم رئيسها التنفيذي اعتذارًا عن استخدام مصطلح "إبادة جماعية" لوصف الوضع في غزة، في خطوة اعتبرها منتقدون خضوعًا لضغوط سياسية.
ليست هذه الحادثة الأولى. فمنذ تأسيسها عام 2011، تعمل UKLFI على استهداف الأفراد والمؤسسات التي تنتقد السياسات الإسرائيلية أو تعلن تضامنها مع الفلسطينيين.
وتقود المنظمة حملات ضغط قانونية ضد جامعات، مستشفيات، مجالس بلدية، مهرجانات فنية، وحتى الحكومة البريطانية نفسها، بذريعة الدفاع عن "إسرائيل" ومواجهة ما تصفه بمحاولات "تقويض شرعيتها".
ومن أبرز تحركاتها، الضغط على مجالس بلدية بسبب رفع أعلام فلسطين، محاولة إلغاء فعاليات فنية داعمة لفلسطين، التحذير من ملاحقة مسؤولين دوليين في المحكمة الجنائية الدولية إذا تابعوا ملفات جرائم الحرب الإسرائيلية، تهديد الحكومة البريطانية بسبب تقليص تصدير السلاح لإسرائيل
وتقول المنظمة صراحة إنها تسعى لاستخدام القانون لخلق "مناخ داعم لإسرائيل في المملكة المتحدة".
"الأمر يبدأ دائمًا برسالة"
محامون تحدثوا لـ "ميدل ايست آي"، – شريطة عدم كشف هويتهم – أوضحوا أن أسلوب UKLFI يقوم على إرسال رسائل قانونية تحمل طابعًا رسميًا ومُرعبًا، تتضمن تهديدات ضمنية باللجوء إلى القضاء أو الادعاء بمخالفة قوانين المساواة أو حتى "قانون الإرهاب".
ووصفت إحدى المحاميات في لندن هذه الرسائل بأنها تهدف إلى "إثارة الخوف"، مستفيدة من سمعة الرعاة البارزين للمنظمة، ومن بينهم أعضاء في مجلس اللوردات وقضاة سابقون، وتضيف: "غالبًا لا تصل الأمور إلى المحكمة. يكفي أن تشعر المؤسسة بأنها في حقل ألغام قانوني، فتتراجع وتُلغي الفعالية".
استهداف القطاع الصحي
أظهرت المنظمة اهتمامًا خاصًا بالمستشفيات وموظفي القطاع الصحي، خصوصًا في ظل مشاهد الدمار واستهداف المستشفيات في غزة.
في إحدى الحالات، تعرض ممرض في هيئة الخدمات الصحية البريطانية (NHS) لضغوط بعد ظهوره في اجتماع عبر خلفية تحتوي على لوحة فنية تتضمن بطيخة – رمز بات يُستخدم للتعبير عن التضامن مع فلسطين.
ووفق روايته، اعتُبرت الخلفية "محتملة المعاداة للسامية"، وطُلب منه تغييرها تحت التهديد بإجراءات تأديبية. لاحقًا، غيّرت المستشفى سياستها لحظر "الرموز السياسية"، في خطوة ربطها موظفون بضغوط UKLFI.
غسان أبو ستة نموذجًا
من بين الشخصيات التي استهدفتها المنظمة أيضًا الجراح البريطاني–الفلسطيني غسان أبو ستة، الذي عمل في غزة ووثق آثار القصف الإسرائيلي على المدنيين.
تقدمت UKLFI بشكاوى ضده إلى المجلس الطبي العام، مطالبة بتعليق ترخيصه، إلا أن الشكوى رُفضت. ومع ذلك، أدت الضغوط إلى إلغاء عدد من الفعاليات التي كان مقررًا أن يتحدث فيها.
ناشطون يهود تقدميون، من بينهم نعومي ويمبورن-إدريسي، يرون أن المنظمة تستخدم القانون كأداة ترهيب.
وتقول: "يعتمدون على مصطلحات قانونية لإقناع المؤسسات بأنها تخالف القانون. كثير من الجهات لا تملك القدرة أو الجرأة على المواجهة، فتتراجع"، مردفةً أن الاتهام بمخالفة قوانين المساواة أو الإرهاب يكفي لإسكات فعاليات تضامن مع فلسطين، دون الحاجة لرفع قضية فعلية.