في خطوة تعكس تسارع وتيرة الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، افتتحت سلطات الاحتلال مستوطنة جديدة تحت اسم "عش الغراب" على أراضٍ شرقي محافظة بيت لحم، بقيادة مباشرة من وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش، أحد أبرز رموز المشروع الاستيطاني التوسعي في حكومة الاحتلال الحالية.
ولا بد التأكيد أن إقامة مستوطنة "عش الغراب"، ليس بمعزل عن استراتيجية الاحتلال الواسعة التي تقوم على تكريس السيطرة على الأرض الفلسطينية، وتفريغها تدريجيًا من أصحابها، عبر شبكة متكاملة من الاستيطان، وشق الطرق الالتفافية، وتوسيع المستوطنات القائمة، وإقامة بؤر جديدة تتحول لاحقًا إلى مستوطنات رسمية.
وتُعد بيت لحم من أكثر المحافظات الفلسطينية استهدافًا بالمشاريع الاستيطانية، حيث تواجه اليوم مرحلة جديدة من محاولات العزل والتقطيع الجغرافي، ضمن مخطط "القدس الكبرى"، الذي يسعى إلى فصل المدينة عن محيطها الطبيعي، وتحويلها إلى جيوب سكانية محاصرة.
تجدر الإشارة إلى أن مليشيات المستوطنين كثفت من أعمالها في إنشاء المستوطنة خلال الفترة الماضية، حيث نصبوا المزيد من البيوت المتنقلة في منطقة عشر الغراب بمدينة بيت ساحور شرقي بيت لحم.
ويؤكد منسق اللجان الشعبية في محافظة بيت لحم مازن العزة، أن المنطقة التي أُقيمت عليها المستوطنة كانت في السابق معسكرًا لجيش الاحتلال الإسرائيلي، وتم إخلاؤه بموجب الاتفاقيات الموقعة مع السلطة، إلا أن الاحتلال عاد اليوم ليحوّل الموقع إلى بؤرة استيطانية دائمة، في خرق واضح لتلك الاتفاقيات، واستكمالًا لسياسات فرض الأمر الواقع على الأرض.
ويوضح العزة لـ "فلسطين أون لاين"، أن إقامة مستوطنة "عش الغراب" ستؤدي عمليًا إلى تقطيع أوصال محافظة بيت لحم، وفصل الريف الشرقي عن المدينة، وربط ما تبقى من المحافظة بسلسلة استيطانية ممتدة، ما يعني تقسيم المحافظة، لا سيما في شطرها الشرقي.
وبيّن أن هذا المشروع يندرج ضمن سياسة استيطانية أوسع تهدف إلى تقويض إقامة الدولة الفلسطينية، والسيطرة على الأراضي المصنفة (ج) التي تشكل نحو 67% من مساحة الضفة الغربية، في إطار ما يُعرف بـ"الضم المقنع" أو "الضم الصامت".
ووفق العزة، فإن خطورة هذه المستوطنة لا تكمن فقط في موقعها، بل في كونها تُقام على منطقة تشكّل قرابة 2% من مساحة محافظة بيت لحم، وهي مساحة ذات أهمية استراتيجية، تُستخدم لربط المستوطنات القائمة ضمن مخطط "القدس الكبرى"، الذي يسعى الاحتلال من خلاله إلى عزل بيت لحم عن محيطها الفلسطيني، ودمجها قسرًا في الخارطة الاستيطانية المحيطة بالقدس.
ويحذّر العزة من أن انعكاسات هذا الاستيطان على حياة المواطنين ستكون قاسية، من خلال زيادة المضايقات، وتكثيف اعتداءات المستوطنين، في مشهد يعيد إلى الأذهان ما جرى عام 1948 من تهجير ممنهج.
ويؤكد أن ما يجري اليوم هو نشاط لعصابات مستوطنين مدعومة بشكل مباشر من جيش الاحتلال، وتهدف إلى تنفيذ مخطط تهجير واضح، يستند إلى أيديولوجيا الحركة الصهيونية.
ويرى أن مجابهة هذه السياسات لا يمكن أن تتم إلا عبر الوحدة الوطنية، ووضع خطة استراتيجية قائمة على المقاومة الشعبية، وتعزيز صمود المواطنين على الأرض.
من جانبه، يوضح خبير الاستيطان عثمان أبو صبحة أن الاستيطان الإسرائيلي يقوم أساسًا على هدف الاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الفلسطينية، وتسكين المستوطنين فيها، مع تعمّد تعقيد حياة الفلسطينيين ومنع أي تواصل جغرافي بين مناطقهم، بما يجهض مستقبل أي دولة فلسطينية مستقلة.
وبيّن أبو صبحة لـ"فلسطين أون لاين"، أن الاستيطان لا يقتصر على الأرض فقط، بل يشمل السيطرة على الثروات الطبيعية، وفي مقدمتها الأراضي الزراعية والمياه.
ويشير أبو صبحة إلى أن وتيرة الاستيطان في الضفة الغربية، وخاصة بعد السابع من أكتوبر، تضاعفت بشكل غير مسبوق، في ظل حكومة إسرائيلية يهيمن عليها المستوطنون، وعلى رأسهم سموتريتش، الذي يحظى بدعم غربي وأمريكي، ما يجعله فوق المساءلة القانونية، في ظل صمت عربي ودولي مريب.
ويحذّر من تنامي ما يُعرف بـ"الاستيطان الرعوي"، معتبرًا إياه خطرًا استراتيجيًا كبيرًا في المرحلة المقبلة، لما يحمله من تهديد مباشر للتجمعات البدوية والزراعية الفلسطينية.
ويرى أن غياب مشروع وطني مضاد للاستيطان، والانقسام الفلسطيني الداخلي، ساهما في تفاقم هذه الظاهرة، إلى جانب ضعف الأداء الرسمي الفلسطيني، الذي يتعرض لضغوط دولية هائلة.
ويختم أبو صبحة بالتأكيد على أن مواجهة الاستيطان، بوصفه جزءًا أصيلًا من العقيدة الصهيونية، تتطلب توحيد الصف الوطني، وتشكيل قيادة موحدة، تتبنى برنامجًا نضاليًا كفاحيًا شاملًا، قادرًا على التصدي لمخططات الضم الصامت، وحماية ما تبقى من الأرض الفلسطينية.

