- الزبيدي: المخيمات تحت مشروع فرض الوقائع وتفكيك الهوية
- عمارة: تدمير المخيمات لدفع الفلسطينيين نحو الهجرة القسرية
عام مضى على عملية جيش الاحتلال "الجدار الحديدي"، ولا تزال مخيمات شمال الضفة الغربية ترزح تحت تداعيات واحدة من أطول وأقسى العمليات العدوانية في السنوات الأخيرة، في إطار محاولة ممنهجة لإعادة هندسة الضفة وفرض واقع جغرافي وأمني جديد، يستهدف تفكيك المخيمات وإنهاء حضورها كعنوان للجوء والهوية الوطنية الفلسطينية.
وانطلقت عملية الاحتلال في 21 يناير 2025 من مخيم جنين، قبل أن تمتد إلى مخيمي طولكرم ونور شمس ومخيمات أخرى، مترافقة مع حصار عسكري مشدد، واجتياحات متكررة، وتدمير واسع طال المنازل والمؤسسات والبنية التحتية، وسط صمت دولي لافت.
حصيلة عام من الاجتياح
وفق معطيات رسمية، أسفرت عملية الاحتلال عن نزوح ما يقارب 50 ألف فلسطيني من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، إضافة إلى عشرات الشهداء ومئات الجرحى، واعتقال المئات، وتدمير آلاف المباني السكنية والتجارية والمؤسسات الخدماتية.
البنية التحتية في المخيمات الثلاثة دمرت بشكل شبه كامل، بما يشمل شبكات المياه والكهرباء والاتصالات والصرف الصحي والطرقات، في ظل منع الاحتلال إدخال معدات الصيانة، ما حوّل المخيمات إلى مناطق غير صالحة للحياة الإنسانية.
فرض الوقائع بالقوة
يصف الناشط السياسي جمال الزبيدي واقع مخيم جنين بالكارثي، مؤكدا أن الاحتلال يواصل يوميا تدمير المباني وشق الشوارع وتوسيع القائم منها، دون أي اعتبار للبنية التحتية أو حياة السكان، في سياق فرض وقائع ميدانية دائمة.
ويشير الزبيدي لـ "فلسطين أون لاين" إلى أن الاحتلال يعمل على تعبيد الشوارع داخل المخيم وربطها بمحيطه العمراني، في محاولة لإنهاء المخيم ككيان جغرافي مستقل، وطمس رمزيته السياسية كأحد أبرز عناوين اللجوء والمقاومة في الضفة الغربية.
ويضيف أن الاستهداف الإسرائيلي لم يقتصر على المخيم، بل طال محيطه بشكل مكثف، لخلق واقع متشابه بين المخيم والمدينة، بما يسهل دمجهما مستقبلا، ويقضي على الخصوصية الاجتماعية والوطنية التي تميز المخيمات الفلسطينية.
ويرى الزبيدي - من سكان مخيم جنين- أن ترك النازحين لمواجهة مصيرهم دون دعم حقيقي يمثل خللا وطنيا خطيرا، محذرا من أن هذا الإهمال لا يقتصر على الجانب الإنساني فحسب، بل يحمل تداعيات سياسية واجتماعية عميقة.
مخيمات خارج الحياة
من جهته، يقول عضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين محمد عمارة، إن مخيمي طولكرم ونور شمس بدوا، عقب اجتياحهما في 27 يناير 2025، وكأنهما تعرضا لزلزال عنيف دمر معظم المنازل والمؤسسات والبنى التحتية، وأخرجهما بالكامل عن الحياة.
ويؤكد عمارة -من سكان مخيم طولكرم- أن الاحتلال أغلق المخيمات الثلاثة بالبوابات العسكرية، ومنع الفلسطينيين من دخولها، لتتحول مناطق سكنية مكتظة إلى أماكن مهجورة، لا يسكنها سوى الحيوانات، في مشهد يعكس نية واضحة لمسح المخيمات.
ويشير إلى أن الاحتلال، بعد التدمير، شرع بشق شوارع جديدة وفق مخططات هندسية تخدم أهدافه الأمنية، وربطها بأحياء المدن المجاورة، في محاولة لإنهاء المخيم ككيان جغرافي ووعي وطني متجذر.
ويحذر عمارة من أن تدمير مصادر دخل الأهالي واستهداف البنية الاقتصادية يأتي في سياق أوسع لدفع الفلسطينيين نحو الهجرة القسرية خارج الضفة الغربية، عبر خلق بيئة طاردة وانعدام أي شعور بالأمان.
نازحون بلا حماية
ويوضح عمارة لـ"فلسطين أون لاين"، أن أوضاع نازحي المخيمات مأساوية، في ظل غياب أي برامج دعم حكومية فعلية، واقتصار المساعدات على 3000 شيقل من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" و600 شيقل من رئيس السلطة، وهي لا تفي بالحد الأدنى من الاحتياجات.
ويضيف أن حكومة محمد مصطفى لم تنفذ البرامج الاقتصادية التي وعدت بها، فيما فاقم قرار وقف صرف المخصصات المالية لأسر الشهداء والجرحى والأسرى من حجم الأزمة، معتبرا القرار كارثيا في ظل هذا العدوان المفتوح.
يتفق عمارة والزبيدي على أن الاحتلال لا يستهدف ملاحقة المقاومة فحسب، بل يسعى إلى قتل فكرة المقاومة في الوعي الفلسطيني، عبر التدمير الشامل، والهندسة القسرية للمخيمات، وضرب ركائزها الاجتماعية.
ويؤكدان أن غياب التدخل الدولي الفاعل، والانحياز الواضح لإسرائيل، شجّع الاحتلال على إطالة أمد العملية، في ظل تعتيم إعلامي وغياب دبلوماسي فلسطيني قادر على فرض ضغط حقيقي.
ويشير الزبيدي إلى أن السلطة نفذت، قبل وأثناء العدوان، عمليات أمنية داخل المخيمات، واعتقلت مئات الشبان، معتبرا أن التنسيق الأمني مع الاحتلال شكّل ضربة قاسية لبيئة المقاومة.
الفكرة لا تهزم
رغم الخسائر البشرية والمادية الكبيرة، يؤكد المتحدثان أن محاولات الاحتلال فشلت تاريخيا في القضاء على المقاومة، وأن ما يجري اليوم سيؤدي إلى إعادة إنتاجها وتجذيرها في وعي الجيل الصاعد.
ويرى عمارة أن استمرار العملية العسكرية يعكس غياب ضغط سياسي حقيقي على الاحتلال، مشددا على أن المطلوب تحرك فلسطيني ودولي عاجل لإجباره على الانسحاب وإعادة تأهيل المخيمات.
عام مر على عدوان الاحتلال، والمخيمات ما تزال تنزف، فيما يعيش عشرات الآلاف من النازحين بين التشرد وفقدان الأمان، دون أفق واضح لإعادة الإعمار أو عودة الحياة إلى ما كانت عليه.
وبينما يراهن الاحتلال على الزمن والتدمير، يصر الفلسطينيون على أن المخيم، مهما تغير شكله، سيبقى شاهدا حيا على قضية اللجوء، وأن الهوية والمقاومة أقوى من الجرافات والسياسات القسرية.

