فلسطين أون لاين

التوحش الإنساني من قابيل الفرد إلى "إسرائيل الدولة"

منذ أن سفك قابيل دم أخيه هابيل حقداً وحسداً، والنفس البشرية تتأرجح بين فطرتها السوية ونزعاتها التوحشية. تحكي لنا الآية القرآنية قصة هذه الجريمة الأولى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (المائدة: 30). كانت تلك الشرارة الأولى التي أضاءت ظلام التوحش البشري، وهو ظلام لم ينقشع بل تطور وتشكل عبر العصور، متنقلاً من الفرد إلى الجماعة فالدولة.

لقد حاولت البشرية عبر تاريخها الطويل كبح جماح هذا التوحش عبر ابتكار نظم قانونية وقضائية، بدءاً من الثأر الفردي مروراً بالانتقام الجماعي ووصولاً إلى دولة القانون التي تحتكر حق العقاب. ولكن المفارقة المأساوية تكمن في أن هذه الآليات التي أنشئت لترويض العنف الفردي، عجزت تماماً عن كبح جماح العنف المنظم عندما تمارسه الدولة نفسها، خاصة عندما تتحالف مع قوى عظمى تمنحها الحصانة والغطاء. وما يجري في غزة اليوم هو أبلغ تجسيد معاصر لهذه المفارقة التاريخية المؤلمة.

الفصل الأول: تطور القانون من الانتقام الفردي إلى عدالة الدولة

١. مرحلة الانتقام الفردي والعشائري: قانون الغاب

في المجتمعات البدائية، كان الانتقام هو القانون السائد حيث ظهر أول نموذج للانتقام الفردي بالانتقام من الجاني من نفس المجني عليه او من ذويه ، ولكن هذا النمط سرعان ما تطور ليصبح "انتقام العشيرة" حيث تتحول المسؤولية من الفرد إلى الجماعة، وتتحول الجريمة إلى حرب قبائلية تهدد النسيج الاجتماعي بأكمله.

كانت هذه المرحلة تعبيراً عن "حق العدالة الخاص" حيث يتحول كل فرد أو عشيرة إلى قاضي وجلاد في آن واحد، دون معايير موضوعية للتناسب بين الجريمة والعقوبة، مما يؤدي إلى دوامات عنف لا تنتهي.

٢. ظهور الدولة وتدخل السلطة: احتكار الحق في العقاب

مع تطور المجتمعات ونشوء الدولة، انتقل حق العقاب من الأفراد والعشائر إلى السلطة الحاكمة. أصبحت الدولة تحتكر وسائل العنف الشرعي، وتحولت من "طرف" في الصراع إلى "حَكَم" يفترض حياديته. هنا ولدت فكرة "العقد الاجتماعي" حيث يتنازل الأفراد عن حقهم في الانتقام مقابل حماية الدولة لهم.

في هذه المرحلة، تحول العقاب من هدف انتقامي بحت إلى أداة للحفاظ على النظام الاجتماعي والسياسي. وضعت القوانين المكتوبة والمحاكم النظامية، وظهرت مفاهيم مثل "النيابة العامة" التي تمثل المجتمع في ملاحقة المجرمين، بدلاً من ترك الأمر لأهل الضحية.

٣. من الثأر إلى الإصلاح: تطور فلسفة العقاب

بلغ تطور الفكر القانوني ذروته مع التحول من فلسفة الانتقام إلى فلسفة الإصلاح وإعادة التأهيل. لم يعد الهدف إيلام الجاني بقدر ما أصبح إصلاحه وإعادة دمجه في المجتمع. ظهرت السجون الإصلاحية وبدائل العقوبات السالبة للحركة، وأصبحت العدالة تأخذ في اعتبارها الظروف الاجتماعية والنفسية التي دفعت بالجاني إلى ارتكاب جريمته.

هذا التطور الفكري العظيم مثل قمة نضج البشرية في تعاملها مع العنف الفردي، ولكن كما سنجد، ظل هذا النضج حبيساً في مواجهة العنف الفردي فقط.

الفصل الثاني: المفارقة التاريخية: القانون يروض الأفراد ويعجز عن ترويض الدول

١. حدود التطور القانوني

يُظهر التاريخ تناقضاً صارخاً: بينما نجحت النظم القانونية إلى حد كبير في تقنين العنف الفردي وكبح جماح الصراعات المحلية، عجزت تماماً عن مواجهة "العنف المنهجي" الذي تمارسه الدول. فالدولة التي تحتكر حق العقاب لمواجهة جرائم الأفراد، تتحول هي نفسها إلى مصدر للجريمة المنظمة عندما تمارس القمع والاحتلال والإبادة.

هذه المفارقة تجعلنا ندرك أن التطور القانوني ظل سطحيًا، متعلقاً بشكل الجريمة وليس بجوهرها. فقد تمكّن من وضع ضوابط للعنف عندما يكون "غير قانوني" (ممارساً من قبل الأفراد)، ولكنّه عجز عن وضع ضوابط حقيقية للعنف "القانوني" (المتمثل في سياسات الدولة القمعية).

٢. العنف الهيكلي والثقافي: أدوات الدولة المتوحشة

تتجاوز الدول الطاغوتية في توحشها العنف المباشر (القتل والتعذيب) إلى أشكال أخطر وأكثر رسوخاً:

· العنف الهيكلي: وهو الإيذاء الناتج عن الظلم المنظم في توزيع الموارد والفرص، كالحصار الاقتصادي والتمييز في الخدمات الأساسية. هذا العنف لا يقل فتكاً عن العنف المباشر، بل قد يتفوق عليه في بطء تأثيره وخفائه.

· العنف الثقافي: استخدام الرموز والخطاب الإعلامي والأيديولوجي لتبرير العنف المباشر والهيكلي. هنا تُسرَّب ثقافة الكراهية وتُبنى سرديات تزيل الشرعية الإنسانية عن الضحايا، وتجردهم من إنسانيتهم ليصبح الاعتداء عليهم مقبولاً بل ومحموداً.

٣. آليات تبرير الطغيان: من نزع الصفة الإنسانية إلى طاعة السلطة

تستخدم الدول القمعية آليات نفسية واجتماعية معروفة لتبرير وحشيتها، أبرزها:

· نزع الصفة الإنسانية: وصف الضحايا بأنهم أدنى إنسانياً أو أنهم ارهابيون يهددون المجتمع الإنساني ، هذه الآلية نفسها استخدمها الغرب وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية و النظام الصهيوني ضد الفلسطينيين وحركات المقاومة المشروعة .

الفصل الثالث: النموذج المعاصر: التوحش الإسرائيلي في غزة

١. من الاحتلال إلى الإبادة: مسار التصعيد

تشكل الممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، وخاصة في غزة، نموذجاً صارخاً لعودة التوحش البشري بأبشع صوره، ولكن هذه المرة تحت غطاء "دولة قانون" وبآلة عسكرية وقانونية وإعلامية ضخمة.

لقد تطور المشروع الصهيوني من حركة استيطانية إلى دولة احتلال، ثم إلى نظام فصل عنصري كما وثقت ذلك منظمات حقوقية دولية مرموقة، وصولاً إلى ما يمكن وصفه بمشروع إبادة جماعية في غزة، حيث يتعرض السكان لحصار شامل وقتل ممنهج وتدمير متعمد لشروط الحياة الأساسية.

٢. آليات التوحش الإسرائيلي

· الانتقام الجماعي كسياسة دولة: تحول الانتقام من فعل فردي أو حتى مؤسسي إلى سياسة دولة منهجية. فبدلاً من ملاحقة المسؤولين عن عمليات مقاومة، تُعاقب الجماعة بأكملها عبر عقوبات جماعية محرمة دولياً.

· نزع الصفة الإنسانية الممنهج: يشكل الخطاب الإسرائيلي الرسمي والشعبي نموذجاً صارخاً لنزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين. فهم يُوصفون بـ"الحشرات" و"الحيوانات" و"الإرهابيين منذ الولادة"، مما يخلق بيئة نفسية تسمح بقتلهم دون تأنيب ضمير.

· العنف الهيكلي المتعمد: حصار غزة منذ 17 عاماً هو نموذج متكامل للعنف الهيكلي، حيث حُرِمَ مليوني إنسان من حرية الحركة والتنقل، ومن الوصول إلى الرعاية الصحية الكافية، ومن فرص العمل والتعليم، في محاولة لكسر إرادتهم وإجبارهم على الرحيل.

· التدمير المنهجي لشروط الحياة: خلال الحرب الأخيرة على غزة، دمرت إسرائيل متعمداً البنية التحتية للحياة: المستشفيات والمدارس والمساجد وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، في انتهاك صارخ لكل المواثيق الدولية. هذا ليس "ضرراً جانبياً" بل سياسة مقصودة لإخراج غزة من دائرة الحياة.

٣. الحق في العيش على الأرض: أبسط الحقوق وأكثرها انتهاكاً

في قلب المأساة الفلسطينية يكمن انتهاك أبسط الحقوق الإنسانية: الحق في العيش على أرضك بكرامة وأمان. فالفلسطيني يُطارد في بيته، يُقتل على عتبة داره، يشرد من أرض أجداده، ثم يُحاكم إذا حاول الدفاع عن حقه في الوجود.

غزة التي تحولت إلى أكبر سجن مفتوح في العالم، تُذكّرنا بأن التوحش البشري بلغ ذروته عندما تحولت الأرض من مسكن آمن إلى فخ مميت، والحياة من نعمة إلى جريمة يعاقب عليها الإنسان لمجرد أنه يريد أن يعيش.

الفصل الرابع: عجز المؤسسات الدولية وكسر حلقة الإفلات من العقاب

١. الأمم المتحدة ومحكمة العدل: آليات بلا أسنان

بعد فظائع الحرب العالمية الثانية، أنشأت البشرية منظومة دولية كان هدفها المعلن منع تكرار تلك الجرائم. ولكن المنظومة نفسها بنيت على تناقض أساسي: فهي تحاول محاسبة الدول القوية بينما تخضع لهيمنتها.

مجلس الأمن يعجزه الفيتو الذي تستخدمه القوى العظمى لحماية حلفائها، ومحكمة العدل الدولية تفتقر لآليات تنفيذية حقيقية، والمحكمة الجنائية الدولية تواجه تهديدات بالعقوبات إذا تجرأت على محاكمة قادة دول "محمية".

٢. ازدواجية المعايير وتفريغ القانون الدولي من مضمونه

المأساة الفلسطينية تكشف بأقسى الصور ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي. فالجرائم نفسها التي تُدان في مكان، تُغض الطرف عنها أو حتى تُدعم في مكان آخر إذا ارتكبها الحليف "الاستراتيجي".

هذه الازدواجية لا تُضعف ثقة الشعوب بالمؤسسات الدولية فقط، بل تُفرغ القانون الدولي الإنساني من مضمونه، وتحوله من أداة لحماية الضعفاء إلى أداة لتكريس هيمنة الأقوياء.

٣. الحصانة المطلقة: عندما تحمي القوة العظمى الجريمة

الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، حتى في وجه أدلة دامغة على ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، يخلق وضعاً خطيراً من "الحصانة المطلقة". فإسرائيل تعلم أنها يمكنها تجاوز كل الخطوط الحمراء دون مواجهة عواقب حقيقية.

هذه الحصانة لا تشجع إسرائيل على الاستمرار في جرائمها فحسب، بل ترسل رسالة واضحة لكل الأنظمة القمعية في العالم: بإمكانكم ارتكاب ما تشاؤون من جرائم طالما لديكم حامٍ قوي.

خاتمة: من السقوط الأخلاقي إلى إعادة الاعتبار للإنسانية

لقد بدأ التوحش البشري بجريمة قابيل، وتطور عبر العصور ليصبح أكثر تعقيداً وأشد فتكاً. لقد حاولت البشرية كبح جماحه عبر القوانين والمؤسسات، ولكنها عجزت عن مواجهته عندما ارتدى ثوب الدولة واختبأ وراء سيادتها.

ما يحدث في غزة اليوم هو امتحان حقيقي للضمير الإنساني. إنه يتحدى كل ادعاءات التمدن والتقدم البشري. فكيف ندعي التحضر ونحن نراقب مذبحة تتم على مرأى ومسمع من العالم، بدعم وتأييد من أقوى دول الأرض؟

ولكن في قلب هذه الظلمة، يظل الأمل قائماً. فأصحاب الضمائر الحية في كل مكان يرفضون هذه الوحشية، ويتضامنون مع الحق الفلسطيني في العيش الحر الكريم. إنهم يذكروننا بأن الإنسانية ليست مجرد انتماء بيولوجي، بل هي التزام أخلاقي بالوقوف مع المظلوم ضد الظالم، مهما كانت موازين القوى وكما قال الامام علي عليه السلام الإمام (أن نصرة المظلوم هي أحسن العدل ) .

في غزة اليوم، تُقتل النفوس البريئة كل ساعة، وتُزهق الأرواح تحت أنقاض بيوتها. وفي غزة أيضاً، يُحيي المقاومون والشهداء والأطباء والمتطوعون معنى الإنسانية، ويذكرون العالم بأن الحق لا يموت، والكرامة لا تُساوم، وأن الحرية ستنتصر مهما طال الليل.

فلسطين ليست قضية سياسية فحسب، بل هي مقياس أخلاقي للبشرية جمعاء. وفي امتحانها، تظهر الأمم على حقيقتها، ويتحدد مصير الإنسانية: إما أن تنتصر قيم العدل والحرية والكرامة، وإما أن نعترف بأننا عدنا إلى عصر قابيل، ولكن هذه المرة بآلات أكثر تطوراً ووحشية.

المصدر / فلسطين أون لاين