يسود الشارع في قطاع غزة حالة متصاعدة من السخط الشعبي تجاه الشركات والمبادرات الخاصة التي تبيع الطاقة الكهربائية، مع الارتفاع الفاحش للأسعار، والانقطاعات المتكررة، وغياب الرقابة الناظمة لعمل هذه الجهات، ما جعل المواطنين فريسة للاحتكار والارتهان لواقع الحرب القاسية.
وفي المقابل، عبّر قطاع واسع من المواطنين عن رفضهم القاطع لهذه الحلول الجزئية، التي وصفوها بـ«المُسكّنات»، مطالبين بضرورة الضغط على الاحتلال الإسرائيلي لإعادة إمداد القطاع بالكهرباء كما كانت عليه الحال قبل السابع من أكتوبر.
كما شدد المواطنون على أهمية إفساح المجال لإدخال السولار الصناعي اللازم لتشغيل شركة توليد الكهرباء الوحيدة في القطاع، بالتوازي مع مطالبة الجانب المصري بزيادة حصة غزة من الطاقة عبر الخطوط المصرية، بما يضمن حدًا أدنى من استقرار الخدمة.
ومنذ اندلاع الحرب، يواجه قطاع غزة أزمة طاقة غير مسبوقة، إذ انقطعت الكهرباء بشكل كامل عن منازل المواطنين. ومع السماح مؤخرًا بإدخال كميات محدودة من السولار لصالح القطاع الخاص، شرعت بعض الشركات التي تمتلك مولدات كهربائية ضخمة ببيع الكهرباء للمواطنين بأسعار باهظة، مستغلة حالة العجز وغياب البدائل.
وفي ظل هذا النقص الحاد، لجأت جهات أخرى إلى حلول بالغة الخطورة، تمثلت في استخراج ما يُعرف بـ«السولار المحلي» الناتج عن حرق المواد البلاستيكية، الأمر الذي ينذر بكارثة صحية وبيئية جديدة تُضاف إلى معاناة السكان اليومية.
ووفقًا لبيانات شركة توزيع الكهرباء وسلطة الطاقة، دمّر الاحتلال الإسرائيلي نحو 80% من شبكات التوزيع، فيما تجاوزت الخسائر المباشرة لقطاع الطاقة حاجز 728 مليون دولار. وقد أسهم هذا الفراغ السيادي في ظهور ما يُعرف بـ«اقتصاد المولدات» كبديل قسري ووحيد للمواطنين.
وقال المواطن عبد الهادي هليل إنه فوجئ بقرار الشركة المزوّدة لمنطقته بالكهرباء، والتي أعلنت نيتها رفع سعر «الكيلوواط» إلى 18 شيكلًا بعد أن كان 15 شيكلًا.
وأوضح هليل لصحيفة "فلسطين" أن الشركة برّرت الزيادة بارتفاع تكاليف التوريد، معربًا عن استهجانه الشديد لهذا القرار، خاصة أن السعر السابق يُعد مرتفعًا أصلًا ويفوق القدرة الشرائية لغالبية المواطنين.
وأشار إلى أن الشركة وسّعت نشاطها التجاري بشكل عشوائي وغير مدروس، ما أدى إلى زيادة الأحمال وحدوث أعطال متكررة في المولدات، معتبرًا أنها تحاول تحميل المواطن البسيط فاتورة إخفاقاتها الفنية وخسائرها الناتجة عن سوء التخطيط.
من جانبه، أكد المواطن خليل أبو فارس أنه لا يمكن وصف هذه الكيانات بـ«الشركات» بالمعنى المهني، إذ نشأت في ظروف حرب استثنائية، وتفتقر إلى أي ضوابط تنظم عملها، سواء من حيث مواقع المولدات، أو مواصفات الشبكات، أو توزيع الأحمال، أو حتى تسعيرة الكهرباء.
وأضاف أن هذه الجهات استغلت حاجة الناس الماسّة للكهرباء بوصفها ضرورة حياتية، وحوّلتها إلى مشروع ربحي بحت، دون أدنى التزام بمعايير الخدمة أو السلامة.
وأشار أبو فارس إلى وقوع أضرار مادية جسيمة، إذ تعرضت أجهزة منزلية ومعدات إلكترونية للتلف والاحتراق نتيجة الانقطاعات المفاجئة والمتكررة للتيار الكهربائي، التي تحدث دون أي تنبيه مسبق للمشتركين، ما يضاعف حجم المعاناة والخسائر في ظل انعدام البدائل.
بدوره، حمّل المواطن مازن النبريصي الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة والقانونية عن أزمة الطاقة الخانقة، داعيًا إياه إلى القيام بواجباته تجاه قطاع غزة بوصفه قوة احتلال، وفقًا للقانون الدولي.
وشدد على أن تنصّل الاحتلال من التزاماته، عبر قطع خطوط الكهرباء ومنع وصول الوقود لمحطة التوليد، يُشكّل عقابًا جماعيًا يهدف إلى شلّ الحياة اليومية وتدمير القطاعات الحيوية، ولا سيما قطاعي الصحة والمياه.
وأضاف أن المجتمع الدولي مطالب بالضغط على القوة القائمة بالاحتلال لضمان تدفق الإمدادات الأساسية، مؤكدًا أن لجوء المواطنين إلى المولدات الخاصة بأسعارها الباهظة هو نتيجة مباشرة لسياسة «الإظلام المتعمّد» التي ينتهجها الاحتلال، والتي لا تُعفيه من مسؤولياته تجاه السكان المدنيين الخاضعين لسيطرته العسكرية.
ويحتاج قطاع غزة، في أوقات الذروة خلال الشتاء أو الصيف، إلى ما بين 500 و600 ميغاواط من الكهرباء، في حين يبلغ المتوفر حاليًا صفر ميغاواط من المصادر الرسمية، بعد توقف الخطوط الإسرائيلية ومحطة التوليد كليًا منذ أكتوبر 2023.
ويعتمد السكان اليوم بنسبة 100% على البدائل المكلفة، سواء المولدات التجارية أو الطاقة الشمسية المحدودة.

