في مفصل تاريخي حاسم تُجسّد غزة تناقضاً صارخاً فهي من ناحية مسرح لأعظم مأساة إنسانية في الزمن المعاصر تشبه في دمارها الشامل خراب طروادة الأسطوري، ومن ناحية أخرى، أصبحت فجأةً محطاً لإعلان المرحلة الثانية من خطة أمريكية، تقوم على تشكيل «مجلس السلام» و«المجلس التنفيذي لغزة»، بدعم من قرار مجلس الأمن رقم 2803 (2025). هذا المشهد يطرح سؤال هيكل المصيري: هل نحن أمام "عبور" حقيقي من ظلام العدوان الإسرائيلي إلى فجر الدولة، أم هو مجرد "استراحة محارب" في مسرحية طويلة لـ "تصفية القضية" تحت غطاء دولي؟
لقد أوقف القرار نظرياً حرب الإبادة التي ذهب ضحيتها أكثر من 71 ألف شهيد، لكنه في الواقع يضع الشعب الفلسطيني أمام امتحان وجودي جديد. إن "القابلية للاستعمار" التي يجسدها قبول العالم لاستمرار هذا الظلم سنوات، تكشف عن انفصام في "النظام العالمي" . فهو نظام يتبنى خطاباً أخلاقياً علنياً، لكن آلية عمله تخضع لـ "إرادة القوة" مما يجعل أي قرار دولي مرتبطاً بمعادلات الهيمنة قبل اعتبارات العدالة.
في هذا المشهد المعقّد، يبرز تشكيل "لجنة إدارة غزة الوطنية التكنوقراطية" برئاسة الدكتور علي شعث، كنواة محاولة فلسطينية لاقتناص "اللحظة" . هذه اللجنة تمثل محاولة لتطبيق منطق "الكفاءة" في مواجهة فوضى الدمار وترهل السياسة. مهامها في الاتصالات والزراعة والصحة والتعليم هي في جوهرها محاولة لإعادة بناء "عصب الحياة" للمجتمع.
هنا يظهر التحدي الجوهري عبر بوابة إعادة الإعمار. الوعود المالية الضخمة (70 مليار دولار) ليست "هدية" بل هي "اختبار". إذا لم تُدار بمعزل عن إرادة المانحين وشروطهم، وبشفافية مطلقة، فستتحول من أداة تحرر إلى أداة استتباع جديد. إن حق غزة في إعادة الإعمار الشامل هو جزء من "حق تقرير المصير" ، وليس بديلاً عنه.
لذلك، فإن المهمة التاريخية للجنة التكنوقراط تتعدى تقديم الخدمات رغم أهميتها القصوى إلى خلق "وقائع مؤسسية جديدة" على الأرض.. تكون نواة لمؤسسات الدولة القادمة، مؤسسات تُحصّن المجتمع ضد "التفتت" وتعمل على توحيد الجغرافيا الفلسطينية "المُفكَّكة بقصد".
نجاحها مرهون بقدرتها على تحويل "الشرعية الكفاحية" للشعب الصامد إلى "شرعية إنجاز" يومي ملموس في الكهرباء والماء والعلاج والأمن والايواء الكريم .
الهدف الأسمى، الذي لا يحتمل التأويل، يبقى استعادة "الإرادة الوطنية المستقلة" وبناء "الدولة السيادية الكاملة" على كامل التراب الفلسطيني. أي حل يجزّء الضفة عن غزة، أو يفرّغ السيادة من مضمونها، هو ضرب من "الوهم" وترميم لصيغ "الهيمنة الخارجية" بأقنعة جديدة.
في هذا "المفصل الدقيق" ، فإن "الوحدة الوطنية" ليست شعاراً بل هي شرط البقاء وأداة "إفشال المخطط" . إن تعزيز دور اللجنة التكنوقراطية، ودعمها شعبياً ورسمياً، هو خطوة في معركة تحصين الذات الفلسطينية. غزة، بتضحياتها الأسطورية، لم تعد "قابلة للاستعمار" بالمعنى النفسي، وقد حانت ساعة "العبور" بها من حالة الضحية إلى فاعل يصنع مصيره. المستقبل الأفضل الذي تستحقه لن يأتي هدية، بل سيكون ثمرة "صراع إرادات" : إرادة شعب يرفض الزوال، ضد إرادات تحاول تأبيد الاحتلال.
فلسطين لم تُبْعَ وغزة قادرة إذا أحسنت قيادة "اللحظة" أن تحوّل جراحها إلى منارة للتحرر.
هنا يكمن الامتحان الحقيقي للجنة التكنوقراط، ليس في مواجهة الدمار المادي فحسب، بل في اختراق الحصار "النفسي والسياسي" الذي فرضته عقود من الاحتلال، والذي أنتج أشكالاً من "الاستلاب الداخلي" وتعقيدات في البنى الاجتماعية. إن مهمتها هي، بشكل ما، معالجة آثار "الصدمة الحضارية" التي خلّفها الاحتلال، عبر إعادة بناء ثقة المواطن بقدرة مؤسساته الوطنية على التغيير الفعلي، وليس مجرد إدارة الأزمة.
إن النجاح في هذا المسار يتطلب فهماً عميقاً لـ "تشريح اللحظة" حيث تتداخل الإرادات الدولية والإقليمية. يجب أن تتحول اللجنة إلى منصة "تفاوضية صلبة" مع المجتمع الدولي والممولين، لا لمجرّد تلقي المساعدات، بل لفرض رؤية فلسطينية لإعادة الإعمار تخدم مشروع الدولة.
لذلك، فإن المعركة الأهم هي معركة "المرجعية" أن تنجح اللجنة، بدعم الوحدة الوطنية و أن تصبح النواة "السيادية الفعلية" التي تفرض نفسها في شؤون غزة، فهي بعد كل هذا الصمود، ليست "مشكلة إنسانية" يمكن تفويض حلها، بل هي قلب معركة "الاستقلال الإرادي" للأمة.

