لم تكن الرضيعة الغزية دعاء قشطة قد تعلّمت بعد كيف تبكي أو ترضع، حين بدأت معركتها الأولى مع الحياة. جسدها الصغير المثقل بالخطر، وحلقها المتورّم، جعلا كل نفس يخرج منها أشبه بمحاولة نجاة مؤجلة، داخل غرفة عناية مكتظة في مستشفى ناصر جنوبي قطاع غزة.
تعاني دعاء من تورم حاد وخطير في منطقة الحلق، يعيق تنفسها بشكل طبيعي، ويهدد حياتها منذ لحظات الولادة الأولى. أطباء المستشفى وصفوا حالتها بأنها تشوه خلقي نادر، مرتبط بظروف الحمل القاسية التي فرضتها الحرب والحصار على الأمهات في غزة.

يقول أخصائي طب الأطفال في مستشفى ناصر، الدكتور أسعد النواجحة، لصحيفة "فلسطين": إن حالة الطفلة تُصنّف طبيًا ضمن التشوهات الخلقية التي تحدث نتيجة خلل أثناء تكوّن الجنين داخل الرحم، موضحًا أن سوء التغذية، والضغط النفسي الشديد، والنزوح المتكرر التي تعرّضت لها الأمهات خلال العدوان الإسرائيلي، تُعد من أبرز العوامل المؤدية لمثل هذه الحالات.
ويشير النواجحة إلى أن التشوه يتمركز في منطقة الرقبة (المنطقة السادسة)، حيث يظهر على شكل ورم في الأوعية الدموية وتكيّس خطير، موضحًا أن الورم قابل للنمو مع مرور الوقت، وقد يؤدي إلى انسداد مجرى التنفس أو الضغط على الأعصاب المجاورة، ما يجعل حياة الطفلة مهددة في أي لحظة.
ورغم محاولة الفرق الطبية التدخل بما هو متاح، يؤكد الطبيب أن المنظومة الصحية المنهكة في غزة غير قادرة حاليًا على إجراء الجراحة الدقيقة التي تحتاجها الطفلة، في ظل نقص الإمكانات الطبية والأجهزة المتخصصة، الناتج عن الحصار واستهداف المستشفيات.

ويضيف: “في ظروف طبيعية، يمكن علاج مثل هذه الحالات جراحيًا في مراكز طبية متقدمة خارج قطاع غزة، لكن استمرار إغلاق المعابر ومنع التحويلات الطبية يحرم دعاء من حقها الأساسي في العلاج”، مشددًا على أن التدخل الجراحي العاجل هو الخيار الوحيد لإنقاذ حياتها.
منذ ولادتها، لم تغادر دعاء سريرها في قسم الأطفال والعناية المركزة، موصولة بأجهزة التنفس، فيما تراقبها عيون الأطباء بقلق دائم، وقلوب ذويها بثقل الانتظار، في سباق غير متكافئ مع الوقت.
قصة الرضيعة دعاء ليست حالة طبية فردية، بل واحدة من عشرات القصص الصامتة التي تكشف كيف تمتد آثار الحرب إلى ما قبل الولادة، وتلاحق الأطفال في أول أنفاسهم.
وبين تشخيصٍ معروف وعلاجٍ ممكن، تقف دعاء اليوم رهينة للحصار، بانتظار قرار إنساني يفتح لها طريق الحياة، قبل أن يخنق الصمت آخر أنفاسها.


