في عالم الطبّ المثالي، تُجرى جراحات أورام الحبل الشوكي المعقّدة وسط ترسانة تكنولوجية متكاملة، تشمل أجهزة رنين مغناطيسي عالية الدقة، ومجاهر جراحية متطورة، وأنظمة مراقبة عصبية لحظية. لكن في قطاع غزة، حيث يطبِق الحصار أنفاسه، وتنهك الحرب كاهل المستشفيات، تغيب التكنولوجيا، وتَحضُر إرادة المستحيل.
يقف الدكتور محمد الهوبي (40 عامًا)، ابن مدينة رفح ورئيس قسم جراحة الأعصاب في مستشفى ناصر، شاهدًا حيًا على قدرة الطبيب الفلسطيني على الإبداع وسط ركام المعاناة. فقد صقل مهاراته العلمية بين أروقة جامعة الإسكندرية، ومراكز تدريب متقدمة في تركيا والولايات المتحدة، ليعود ويضع خبرته العالمية في خدمة أبناء شعبه في أكثر الأوقات حرجًا.
ويوضح الدكتور الهوبي لصحيفة «فلسطين» أنه مع استئناف العمليات الجراحية عقب إعلان وقف إطلاق النار على قطاع غزة، باشر مع فريقه الطبي إجراء عمليات وُصفت بأنها شديدة التعقيد، متحدّين نقص المعدات وتهالك المنظومة الصحية التي استنزفها العدوان.

ويروي الهوبي تفاصيل مواجهة حالتين تُعدّان من أصعب التحديات الجراحية. كانت الحالة الأولى لفتى يعاني انزلاقًا فقريًا حادًا هدّد بإصابته بشللٍ مؤكد، ما استدعى إجراء جراحة مجهرية دقيقة لحماية الحبل الشوكي، وقد تكللت بالنجاح. أما الحالة الثانية، فكانت لمريضة في العقد الرابع من عمرها، وصلت المستشفى وهي تعاني عجزًا شبه كامل عن المشي، وفقدان السيطرة على الإخراج، في ظل توقف أجهزة الرنين المغناطيسي وتهالك صور الأشعة المقطعية المتاحة.
ويؤكد الهوبي أن الأجهزة لم تكن الحكم في تلك اللحظات الفاصلة، بل كانت الخبرة والإرادة هما المحرّك الأساسي، إذ جرى استخدام صبغة طبية معينة كبديل بدائي عن الرنين المغناطيسي لتحديد موقع الورم بدقة بين المنطقتين الصدرية والعنقية، رغم النقص الحاد في الإمكانيات.
ويتابع: «لم يكن المشرط وحده من يعمل في تلك المعركة الجراحية الدقيقة، بل كانت اليد والقلب يتسابقان».
وقد تُوِّجت الجهود باستئصال الورم كاملًا من الحبل الشوكي للمريضة، وتثبيت فقرات الفتى بنجاح. وفي لحظة فارقة، تبددت ساعات التوتر، وحلّ مكانها فرح عارم عمّ أروقة القسم، حين شاهد ذوو المريضة ابنتهم تغادر المستشفى على قدميها، بعد أن استعادت إحساسها وقدرتها على التحكم بجسدها كاملًا.
ورغم هذا الانتصار الطبي، لم يغفل الدكتور الهوبي عن توجيه رسالة إلى العالم، مؤكدًا أن ما تشهده غرف العمليات في غزة أشبه بمعجزة بشرية، تحاول سد الفجوة الهائلة التي خلّفها الحصار والعدوان. وأوضح أن المستشفيات تعاني نقصًا صادمًا، يبدأ من غياب صيانة الأجهزة، ولا ينتهي عند فقدان أبسط المستلزمات الجراحية.
ووجّه الهوبي نداءً عاجلًا من قلب المنظومة الصحية المنهكة إلى المؤسسات الدولية والحقوقية كافة، مشددًا على أن الكوادر الطبية في غزة تمتلك العقول والإرادة، لكنها تفتقر إلى الأدوات، وأن الوقت لم يعد في صالح المرضى. ودعا إلى ممارسة ضغط حقيقي على الاحتلال لفتح المعابر فورًا، وإنهاء الحصار، والسماح بدخول المعدات الطبية اللازمة.
إن قصة الدكتور الهوبي ليست مجرد إنجاز طبي عابر، بل صرخة في وجه الحصار، تؤكد أن أطباء غزة يمتلكون ما قد تفتقر إليه كبرى مستشفيات العالم: إيمانًا راسخًا بالقضية، وقدرة فريدة على اجتراح المعجزات من قلب العدم.

